محتويات الموضوع
يُقال إن الاندماج هو مفتاح النجاح في أي بلد جديد، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بين أفراد الجالية العربية في بلجيكا هو: هل نعيش فعلًا اندماجًا حقيقيًا، أم أننا فقط نتأقلم لنمرّ بسلام داخل المجتمع البلجيكي؟ هذا السؤال يراود المهاجرين القدامى كما يطرحه الجيل الجديد الذي وُلد هنا، بين لغتين وثقافتين ومجتمعين لا يجتمعان دائمًا في قلب واحد.
بين الاندماج والتأقلم… شعرة رفيعة
الاندماج يعني أن يصبح المهاجر جزءًا من نسيج المجتمع الذي يعيش فيه، دون أن يفقد ملامحه الأصلية. أما التأقلم فهو القدرة على التعايش مع المحيط، من دون أن يتغير الجوهر أو يشارك الفرد في الحياة العامة بعمق. كثير من العرب في بلجيكا، خاصة الجيل الأول، اختاروا التأقلم بدل الاندماج الكامل. يتحدثون الفرنسية أو الفلامانية في الشغل، لكن يعودون في المساء إلى عالمهم العربي داخل الحي أو العائلة. ربما هو نوع من الحماية النفسية، وربما خوف من الذوبان في ثقافة لا تشبههم.
حواجز اللغة والهوية
اللغة كانت دائمًا جسرًا وصخرة في آن واحد. فمن دونها يصعب التواصل، لكن معها تنشأ هوّة جديدة: جيل الأبناء يتحدث بطلاقة، بينما يبقى الآباء على هامش النقاشات العامة. كثير من العائلات العربية في بروكسل أو أنفيرس تجد نفسها منقسمة لغويًا، فتتحول المائدة الواحدة إلى ترجمة يومية بين العربية والفرنسية. تلك الفجوة الصغيرة تخلق شعورًا صامتًا بالبعد، وتجعل بعض الآباء يشعرون بأن أبناءهم يبتعدون أكثر فأكثر عن الجذور.
العمل… اندماج اقتصادي أم تنازل اجتماعي؟
من الناحية الاقتصادية، نجح الكثير من العرب في بلجيكا في الاندماج. يعملون في النقل والبناء والمطاعم والتجارة الصغيرة، وبعضهم صار رب عمل. لكن هل هذا كافٍ لاعتبارهم مدمجين؟ ربما لا، لأن الاندماج ليس وظيفة فقط، بل هو أيضًا مشاركة في القرار العام، في المدرسة، في الحي، وفي السياسة المحلية. وهنا يظهر الفرق بين من يندمج ومن يكتفي بالتأقلم: الأول يشارك ويصوّت، والثاني يراقب من بعيد.
نظرة المجتمع البلجيكي… عامل لا يمكن تجاهله
الاندماج ليس مسؤولية المهاجر وحده، بل مسؤولية الطرفين. وفي كثير من الحالات، يواجه العرب نظرة شكّ أو تمييز خفي تجعل الطريق أطول. رغم تطور القوانين ومشاريع الإدماج، ما زالت بعض العقليات ترى العربي “وافدًا مؤقتًا” حتى لو حَمَلَ الجنسية البلجيكية. تلك النظرة، وإن كانت غير معلنة، تُشعر البعض بأن اندماجهم مرفوض سلفًا. لذلك يختار الكثيرون الصمت أو الانسحاب من المشهد العام.
الجيل الجديد… بين الفخر والارتباك
أبناء الجيل الثاني والثالث يعيشون معركة الهوية كل يوم. في المدرسة يسمعون أنهم بلجيكيون، وفي البيت يعيشون العادات العربية بكل تفاصيلها. يحاولون الموازنة بين فخر الانتماء لأصولهم ورغبتهم في الاندماج الكامل. لكن المجتمع أحيانًا لا يمنحهم المساحة الكافية، فيشعرون بأنهم “ليسوا من هنا تمامًا ولا من هناك كليًا”. وهذا الارتباك الهوياتي قد يتحول إلى نقطة ضعف أو إلى قوة، بحسب كيف يتعاملون معه ومع نظرة الآخرين إليهم.
الإعلام وصورة الجالية
الإعلام البلجيكي يلعب دورًا مزدوجًا: أحيانًا يسلّط الضوء على قصص نجاح عربية ملهمة، لكن غالبًا ما يركّز على الأحداث السلبية المرتبطة بالهجرة أو الدين. هذا التناول الانتقائي يجعل صورة الجالية غير مكتملة، ويؤثر على نظرة المواطن البلجيكي العادي للعرب. ربما حان الوقت كي يقدّم الإعلام العربي المحلي روايته الخاصة، بعيدًا عن الصور النمطية والاختزالات.
هل الحل في التوازن؟
ربما لا يكون المطلوب اندماجًا كاملاً يُذيب الهوية، ولا عزلة تامة تبقي الجالية على الهامش. الطريق الوسط هو الاندماج الواعي: أن نحافظ على لغتنا وديننا وعاداتنا، لكن في الوقت نفسه نشارك فعلاً في المدرسة والجمعية والانتخابات والشارع البلجيكي. الاندماج ليس تنازلاً عن الذات، بل تطويرها داخل مجتمع جديد.
صوت من “صدى الجالية”
في النهاية، لا أحد يستطيع أن يحدد للعرب في بلجيكا كيف يعيشون هويتهم. لكن يمكننا أن نتفق على شيء واحد: أن الجالية العربية أصبحت جزءًا من المشهد البلجيكي، بمقاهيها وأسواقها ومدارسها وأحلامها. قد لا يكون الاندماج كاملاً، لكن الصوت العربي حاضر، وصَداه يزداد وضوحًا كل يوم.
ما رأيك في موضوع الاندماج؟ هل ترى أن العرب في بلجيكا اندمجوا فعلاً أم ما زال الطريق طويلًا؟
اترك تعليقك وشاركنا بتجربتك أو وجهة نظرك — فـ «صدى الجالية» هو مساحة لكل الأصوات.
بقلم: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.