محتويات الموضوع
على مدى أكثر من ستين عامًا، عاشت الجالية المغربية في بلجيكا مسارا اجتماعيا معقدا انتقل من الصمت والخوف في بدايات الهجرة إلى المطالبة بالحقوق والمشاركة السياسية اليوم. هذا التحول لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل جاء نتيجة تراكم تجارب قاسية من التمييز والعزلة، قابلها وعي متنامٍ بأهمية الكرامة والمواطنة.
من عمال صامتين إلى مجتمع يبحث عن صوته
في ستينيات القرن الماضي، وقّع المغرب وبلجيكا اتفاقية تشغيل العمال المغاربة للعمل في المناجم والصناعات الثقيلة. هؤلاء العمال جاؤوا بعقود مؤقتة وبأحلام العودة السريعة إلى الوطن، لكن الواقع كان مختلفًا. واجهوا ظروفًا صعبة، تمييزًا في السكن، ونظرة دونية من بعض أصحاب العمل. ورغم ذلك، لم يجرؤ معظمهم على الشكوى خوفًا من فقدان مصدر رزقهم. آنذاك، لم تكن مفردات مثل “حقوق” أو “مساواة” جزءًا من لغتهم اليومية.
يقول عبد المجيد الغالي، الذي هاجر إلى بلجيكا سنة 1972:
“في تلك السنوات، كان العامل المغربي يعمل بصمت. لم نكن نعرف شيئًا عن القوانين أو النقابات. كنا نخاف أكثر مما نحلم.”
الثمانينيات… أول صدمة جماعية
خلال الثمانينيات، بدأت الجالية المغربية تشهد أولى المواجهات مع واقع التمييز العلني. وقعت حوادث عنف في شارلروا ولييج ضد شبان من أصول مغربية، ما أثار قلقًا واسعًا. في المقابل، بدأ الحديث في الصحافة المحلية عن “أزمة اندماج” و“مشكلة الهجرة”، مما عمّق الإحساس بالعزلة. غير أن هذه المرحلة مثّلت نقطة تحول في الوعي الحقوقي للجالية المغربية في بلجيكا. فقد تأسست أول الجمعيات المدنية المستقلة، وبدأ أبناء الجالية يشاركون في حملات التضامن الاجتماعي.
الحسين المريني، أحد المهاجرين القدامى، يروي:
“تعرضت للطرد من المصنع فقط لأنني عربي. لم أشتكِ يومها، لكنني أقسمت ألا أقبل الإهانة بعد ذلك. بدأت أشارك في اجتماعات الجمعيات حتى أتعلم كيف أدافع عن نفسي.”
التسعينيات… ولادة جيل جديد من الوعي
مع الجيل الثاني من أبناء المهاجرين، دخلت الجالية المغربية مرحلة جديدة. هؤلاء وُلدوا في بلجيكا وتعلموا في مدارسها، فكانوا أكثر دراية بالقانون واللغة. بدأوا يطالبون بالمساواة داخل المدارس والجامعات، وشكّلوا منظمات طلابية وثقافية تدافع عن حقهم في التمثيل والمشاركة. في تلك الفترة، ظهرت أول مبادرات الحوار بين السلطات والجاليات المهاجرة، وبدأ الإعلام البلجيكي يتحدث عن “الجيل البلجيكي من أصل مغربي” بدل “العمال الأجانب”. إضافة إلى ذلك، برزت وجوه نسائية قوية، منها ناشطات في قضايا التعليم وحقوق المرأة المسلمة.
تقول سمية بنسعيد، ناشطة من الجيل الثاني في بروكسل:
“كنا نعيش بين ثقافتين، وكان علينا أن نثبت أننا لسنا ضحايا بل مواطنات فاعلات. النضال الحقوقي بدأ داخل المدرسة، ثم امتد إلى الشارع.”
الألفية الجديدة… من الدفاع إلى المشاركة
مع بداية الألفية، تغيّر المشهد جذريًا. دخل أبناء الجالية عالم السياسة والإعلام والعمل النقابي، وأصبح بعضهم أعضاء في البلديات والبرلمان. هذا الحضور لم يكن رمزيًا فقط، بل مثّل انتقالًا فعليًا من “الدفاع عن الحقوق” إلى “صنع القرار”.
من جهة أخرى، ظهرت منظمات متخصصة في محاربة الإسلاموفوبيا والتمييز، مثل Collectif Contre l’Islamophobie en Belgique، التي ساهمت في توثيق حالات الظلم ومساندة الضحايا قانونيًا. كما بدأت حملات مدنية واسعة تحمل شعارات مثل “Égalité – Dignité – Respect”، وأصبح الوعي الحقوقي مكوّنًا أساسيًا من هوية الجالية.
الجيل الجديد… وعي رقمي ونشاط مؤثر
في العقد الأخير، تغيّر شكل النضال الحقوقي بفضل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. أصبح الشباب من أصول مغربية أكثر جرأة في فضح مظاهر التمييز، سواء في التوظيف أو الإعلام أو الخطاب السياسي. إضافة إلى ذلك، ظهرت مبادرات رقمية يقودها محامون وصحفيون من أصول مغربية، تهدف إلى الدفاع عن الحقوق بطريقة حديثة ومواكبة للعصر. ومع تزايد التحديات السياسية في أوروبا، تحوّل النقاش حول الهوية والمواطنة إلى محور رئيسي في الخطاب العام للجالية المغربية في بلجيكا.
من الهامش إلى الفعل
بعد أكثر من نصف قرن على أول رحلة عمل، لم تعد الجالية المغربية مجرد “أيدي عاملة”، بل مكوّنًا اجتماعيًا فاعلًا. لقد تعلمت كيف تُحوّل الألم إلى وعي، والتمييز إلى دافع للنضال. واليوم، أصبح الحديث عن الوعي الحقوقي للجالية المغربية في بلجيكا ليس شعارًا، بل واقعًا ملموسًا يُترجم في البلديات، الجامعات، والشارع العام. فما بدأ كصوت خافت في أروقة المصانع، أصبح حركة اجتماعية تدافع عن العدالة والمساواة لكل من يعيش على الأرض البلجيكية.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.