محتويات الموضوع
حين بدأت الهجرة المغربية إلى بلجيكا في ستينيات القرن الماضي، لم يكن هناك وجود رسمي أو هيكل واضح لإدارة الحياة الدينية. كان العمال المغاربة يجتمعون في أقبية المصانع أو في زوايا السكنات الجماعية لأداء الصلوات. ومع مرور الوقت، شعروا بحاجة حقيقية إلى فضاءات دائمة تجمعهم على العبادة وتحافظ على روح الدين في المهجر.
من تلك المبادرات البسيطة، بدأ التنظيم الديني للمغاربة في بلجيكا يتشكل تدريجيًا، بدعم من أفراد الجالية الذين رأوا في الدين رابطًا يوحّدهم ويحفظ توازنهم النفسي والروحي.
من القاعات الصغيرة إلى أولى الجمعيات الدينية
في السبعينيات، ومع قدوم العائلات المغربية في إطار لمّ الشمل، أنشأ السكان الجمعيات الإسلامية الأولى في مدن مثل مولنبيك وشارلروا ولييج. استأجروا قاعات صغيرة للصلاة، ورتبوها بجهودهم الذاتية لتصبح نواة أولى للمساجد.
هذه الجمعيات نظّمت الدروس الدينية، وعلّمت الأطفال اللغة العربية، وأقامت صلاة الجمعة والأعياد. وبفضلها، وُلد أول شكل من التنظيم الديني للمغاربة في بلجيكا الذي حافظ على تماسك الجالية وعرّف أبناءها بدينهم.
تبرعات الإيمان… حين ساهم الجميع في البناء
كان بناء المساجد مشروعًا جماعيًا بكل معنى الكلمة. بعد كل صلاة جمعة، كان الإمام أو أحد أعضاء الجمعية يرفع نداء المساهمة، فيمدّ المصلون أيديهم ويضعون ما يستطيعون في الصندوق الخشبي أمام المحراب. أما النساء، فقد قدّمن دعمًا لا يقل أهمية. كثيرات منهنّ خلعن أساورهنّ وخواتمهنّ الذهبية، وقدمنها تبرعًا لبناء بيوت الله. الجميع شعر بالمسؤولية، فالفكرة لم تكن مجرد إنشاء مبنى، بل بناء كيان ديني يضمن استمرارية الإيمان في الغربة.
“كنا نحس أن بناء المسجد واجب مقدّس، لا يكتمل الإيمان إلا بالمشاركة فيه.”
— فاطمة بوعلي، من ساهمت في بناء أول مسجد مغربي في مولنبيك سنة 1976
المسجد الكبير في بروكسل… رمز البدايات الرسمية
عام 1969، منح الملك بودوان الأول مبنى المعرض الشرقي في بروكسل للجالية المسلمة لتحويله إلى المسجد الكبير. تولّت المملكة العربية السعودية تمويل المشروع وأشرفت على تجهيزه، وافتُتح رسميًا سنة 1978.
مثّل هذا المسجد علامة فارقة في التنظيم الديني للمغاربة في بلجيكا، لأنه جمع المسلمين من مختلف الجنسيات في فضاء واحد، ووفّر أول مركز ديني وثقافي معترف به من الدولة البلجيكية.
من الاعتراف بالإسلام إلى تأسيس المجلس التنفيذي
اعترفت الحكومة البلجيكية بالإسلام سنة 1974 كديانة رسمية، لكن تنسيق شؤون المساجد بقي مشتتًا بين الجمعيات. في الثمانينيات والتسعينيات، اجتمع ممثلو الجالية المغربية لتأسيس مجالس تنسيق محلية تُنظم شؤون الأئمة والإدارة.
وفي عام 1999، توّجت هذه الجهود بتأسيس المجلس التنفيذي للمسلمين في بلجيكا، بمشاركة فعالة من المغاربة الذين شكّلوا العمود الفقري لهذه المؤسسة. أصبح المجلس الجهة الرسمية التي تمثل الإسلام أمام السلطات، وتنسق شؤون المساجد والإمامة والتعليم الديني.
المغاربة وبناء المراكز الإسلامية الحديثة
خلال العقود الأخيرة، واصل المغاربة تطوير التنظيم الديني في بلجيكا. فقد بنوا عشرات المساجد والمراكز الإسلامية الحديثة، بتمويل من أبناء الجالية أنفسهم. وأداروا هذه المؤسسات بعقلية منفتحة تجمع بين الحفاظ على الهوية والمشاركة الإيجابية في المجتمع البلجيكي. تضم المراكز اليوم مكتبات وقاعات لتعليم اللغة العربية والقرآن، وأنشطة اجتماعية تُقرّب بين الجالية والمجتمع المضيف.
ذاكرة الإيمان والهوية
لقد شكّل المغاربة نموذجًا ناجحًا في إدارة شؤونهم الدينية، قائمًا على العمل الجماعي والمسؤولية المشتركة. من قاعات صغيرة في المصانع إلى مؤسسات رسمية ومراكز متكاملة، بنوا تجربة فريدة تُظهر أن الإيمان لا يُختزل في الطقوس، بل في المشاركة والعطاء. وهكذا، أصبح التنظيم الديني للمغاربة في بلجيكا شاهدًا حيًا على تفاعل الهوية مع الاندماج، وحلقة مضيئة في ذاكرة الهجرة المغربية بأوروبا.
بقلم: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.