محتويات الموضوع
في بلجيكا، لا تُعتبر القصة مجرد تسلية للأطفال، بل أداة لتشكيل شخصيتهم وتنمية خيالهم. يجمع الأدب البلجيكي للأطفال بين الفن والتربية، فيحوّل القراءة إلى تجربة مليئة بالمتعة والمعرفة، ويزرع في الصغار حب الكلمة منذ الصفحات الأولى.
بداية رحلة الأدب البلجيكي للأطفال
بدأ الأدب البلجيكي الموجّه للصغار في القرن التاسع عشر عندما قرر كتّاب مثل Jean Macé وMarie Gevers الكتابة للطفل بعقل يحترمه، لا بعقل يُمليه عليه. ومع تطور التعليم في بلجيكا، ازداد الاهتمام بالكتب التربوية التي تجمع بين القيم والخيال، فصارت المكتبات تمتلئ بالقصص المصوّرة والمغامرات التعليمية.
في القرن العشرين، قدّمت كاتبات مثل Claude K. Dubois وKitty Crowther نموذجًا جديدًا لأدب الأطفال البلجيكي. كتبت دوبوا بأسلوب حنون يعبّر عن مشاعر الطفولة الحقيقية، بينما خلقت كراوذر عوالم خيالية ملونة تعلّم الطفل كيف يرى الجمال في البساطة. ومن خلالهما، تطوّر الأدب البلجيكي من التلقين إلى المشاركة، ومن التعليم إلى الإلهام.
قصص تُعلّم دون أن تُملّ
يُفضّل الكتّاب البلجيكيون أن يقدّموا القيم بطريقة غير مباشرة. فهم يضعون القارئ الصغير داخل الموقف ليكتشف المعنى بنفسه. في هذه القصص، يتعلم الطفل الصبر من مغامرة، ويكتشف معنى الصداقة من تجربة، ويُدرك أهمية التسامح من حكاية بسيطة.
تعتمد Kitty Crowther على الرموز والطبيعة لتقديم دروس في الاحترام والحب، بينما تختار Claude K. Dubois قصصًا عن العدالة والرحمة بأسلوب عاطفي قريب من الأطفال. بهذا الشكل، يتحول الأدب البلجيكي إلى مساحة تُعلّم وتُرفّه في آن واحد.
انسجام بين الكلمة والصورة
يرى الفنانون البلجيكيون أن الكلمة وحدها لا تكفي، لذلك يُكملونها بالصورة. فالرسوم في الكتب البلجيكية ليست مجرد خلفية، بل جزء من السرد نفسه. لهذا السبب، يتقن الكثير من الكتّاب فن الرسم أيضًا.
من أبرزهم Anne Brouillard وGabrielle Vincent صاحبة Ernest et Célestine. كلاهما قدّم كتبًا تجمع بين الحنان والدقة الجمالية، فشعر القارئ أن كل صفحة لوحة فنية تنبض بالمشاعر.
تُعرض هذه الأعمال في معارض دولية كبرى مثل Salon du Livre de Bruxelles وFoire du Livre de Jeunesse de Bologne، حيث تحظى بإعجاب النقاد والجمهور معًا. هذه المشاركات تجعل بلجيكا مركزًا عالميًا للإبداع الأدبي الموجّه للأطفال.
القراءة في المدرسة والحياة
في المدارس البلجيكية، لا تُقدَّم القراءة كواجب، بل كرحلة ممتعة. يُشجَّع الأطفال على اختيار الكتب بأنفسهم، وتُنظَّم جلسات نقاش بعد كل قراءة. بهذه الطريقة، يتعلّم الطفل كيف يعبّر عن رأيه ويستمع إلى الآخرين في الوقت نفسه.
تعمل المكتبات العامة أيضًا على تعزيز حبّ القراءة. تُقيم مكتبات بروكسل وأنفير أنشطة أسبوعية مثل “ساعة القصة”، حيث يجلس الأطفال حول الراوي ليستمعوا إلى القصص بصوتٍ حيّ. هذه اللحظات تجعل الكتاب صديقًا يوميًا لا يفارقهم.
بلجيكا… أرض القصص التي لا تنتهي
في بلدٍ صغير يجمع بين الفرنسية والهولندية والألمانية، يجد الأدب البلجيكي للأطفال طريقه إلى كل بيت. فاللغة هنا ليست عائقًا، بل جسرًا للتواصل. يقرأ الطفل البلجيكي قصة واحدة بثلاث لغات مختلفة، لكنه يفهمها بالقلب ذاته.
بهذا التنوع، يبرهن الأدب البلجيكي للأطفال أن القصة الجيدة قادرة على تجاوز الحدود. إنها تزرع الأمل، وتُعلّم أن الخيال يمكنه أن يوحّد الناس أكثر مما تفعله السياسة أو التعليم. لذلك، تظل كتب الأطفال في بلجيكا أجمل ما يقدّمه هذا البلد الصغير للعالم الكبير.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.