محتويات الموضوع
لم تكن الهجرة المغربية إلى بلجيكا في الستينات مجرد قرار فردي، بل مسارا منظما تحكمه إجراءات دقيقة واختيارات صارمة. قبل أن يصل العامل المغربي إلى مناجم بلجيكا أو مصانعها، كان عليه أن يمر عبر مراحل طويلة من الانتقاء والتسجيل، شكلت في حد ذاتها تجربة قاسية ومفصلية في ذاكرة الهجرة.
في سياق الهجرة المغربية إلى بلجيكا
مع تزايد الحاجة إلى اليد العاملة في بلجيكا، لم تترك عملية جلب العمال للصدفة. كان الهدف هو اختيار عمال قادرين على تحمل طبيعة العمل الشاق، وضمان جاهزيتهم الصحية والبدنية. في المقابل، رأى كثير من المغاربة في هذا المسار فرصة نادرة للخروج من الفقر، حتى وإن كان الثمن هو الغربة وعدم وضوح المستقبل.
الإعلان عن فرص العمل
في المغرب، كانت أخبار فرص العمل في الخارج تنتشر بسرعة، سواء عبر الإدارات المحلية أو عبر حديث الناس في القرى والمدن. لم تكن هناك إعلانات بالشكل المعروف اليوم، بل معلومات متداولة عن “عمل في أوروبا”، مصحوبة بآمال كبيرة وحذر في الوقت نفسه. كثيرون تقدموا بدافع الحاجة، دون معرفة دقيقة بطبيعة العمل أو ظروفه.
الفحوصات الطبية الصارمة
أولى مراحل الاختيار كانت الفحص الطبي. يخضع المرشحون لسلسلة من الاختبارات الجسدية للتأكد من قدرتهم على العمل في ظروف صعبة، خاصة في المناجم. أي ضعف صحي بسيط كان كافيا لإقصاء المرشح، دون نقاش أو تبرير. يتذكر بعض أبناء الجيل الأول تلك اللحظات باعتبارها قاسية نفسيا، حيث كان مصير السفر أو البقاء يحسم في دقائق.
الاختبارات البدنية والانتقاء
بعد الفحوصات الطبية، تأتي مرحلة الاختبارات البدنية. الهدف كان التأكد من قدرة العامل على التحمل الجسدي والعمل لساعات طويلة. لم يكن التركيز على المؤهلات أو الخبرة، بل على الجسد باعتباره أداة عمل أساسية. هذا الأسلوب في الانتقاء يعكس النظرة السائدة آنذاك للعمال المهاجرين، باعتبارهم قوة عمل أكثر من كونهم أفرادا بمسارات إنسانية.
توقيع العقود والإجراءات الإدارية
المرشحون الذين اجتازوا مراحل الاختيار يطلب منهم توقيع عقود عمل، غالبا بلغة لا يفهمونها. كانت العقود محددة المدة، وتركز على العمل فقط، دون الحديث عن الاستقرار أو الاندماج. كثيرون وقعوا دون معرفة التفاصيل الدقيقة، اعتمادا على الثقة أو الضرورة، وهو ما سيترك أثره لاحقا في تجربتهم داخل بلجيكا.
السفر نحو المجهول
بعد استكمال الإجراءات، يبدأ التحضير للسفر. بالنسبة لكثير من العمال، كانت تلك أول مرة يغادرون فيها المغرب. السفر لم يكن تجربة سياحية، بل انتقالا حاسما نحو عالم مجهول، تحيط به المخاوف والتوقعات في آن واحد. في الذاكرة الجماعية، ارتبطت هذه اللحظة بالوداع الصامت، والرسائل الأولى التي ستكتب لاحقا من أرض الغربة.
بين التنظيم والواقع الإنساني
على الورق، بدا المسار منظما ودقيقا. لكن على المستوى الإنساني، كان مليئا بالقلق وعدم اليقين. الاختيار لم يكن دائما عادلا، والتسجيل لم يكن مصحوبا بتوضيح حقيقي لما ينتظر العمال بعد الوصول. ومع ذلك، شكلت هذه الإجراءات البوابة التي عبر منها آلاف المغاربة نحو تجربة ستغير مسار حياتهم وحياة أسرهم.
الذاكرة الإنسانية لمرحلة الاختيار
في شهادات متفرقة، يصف بعض العمال تلك المرحلة بأنها الأصعب، لأنها جمعت بين الأمل والخوف. النجاح في الاختيار كان يعني فرصة عمل، لكنه كان يعني أيضا فراق الأسرة والدخول في مسار غير مضمون. هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو إدارية، تحولت مع الزمن إلى جزء عميق من ذاكرة الهجرة المغربية.
تبرز هذه المرحلة كيف تمت ترجمة الحاجة الاقتصادية إلى إجراءات عملية لاختيار العمال المغاربة، قبل أن تتقاطع لاحقا مع واقع العمل والاستقرار في بلجيكا. وتندرج هذه التجربة ضمن المواضيع التي يوثقها قسم ذاكرة الهجرة، كما تكمل الصورة الأشمل التي يعالجها مقال تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج حول تشكل الجالية وتحولها عبر العقود.
تحرير: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.