محتويات الموضوع
لم تكن الهجرة المغربية إلى بلجيكا تجربة جسدية فقط، بل كانت أيضا اختبارا نفسيا صامتا. بعيدا عن الأضواء، عاش الجيل الأول من المهاجرين مشاعر معقدة من الوحدة والقلق والحنين، لم يكن لها اسم واضح آنذاك، لكنها تركت أثرا عميقا في حياتهم اليومية.
عندما وصل المهاجرون المغاربة الأوائل إلى بلجيكا، كان التركيز منصبا على العمل والبقاء. لم يكن الحديث عن الصحة النفسية حاضرا، لا في السياسات العامة ولا في النقاش المجتمعي. المشاعر كانت تكتم، والقلق يعتبر ضعفا، والحنين جزءا طبيعيا من الغربة يجب تحمله بصمت. هذا السياق جعل كثيرين يواجهون معاناتهم النفسية وحدهم.
الغربة والوحدة اليومية
عاش عدد كبير من المهاجرين الأوائل بعيدا عن أسرهم لسنوات طويلة. السكن الجماعي، ساعات العمل القاسية، وحاجز اللغة، كلها عوامل عمّقت الإحساس بالوحدة. بعد انتهاء يوم العمل، كان الصمت رفيقا دائما، خاصة في ليالي الشتاء الطويلة. هذه الوحدة لم تكن مؤقتة، بل امتدت لسنوات، وأثرت على التوازن النفسي لكثيرين.
الحنين إلى المغرب لم يكن مجرد شعور عابر، بل حالة نفسية مستمرة. رسائل تصل بعد أسابيع، أخبار تسمع متأخرة، وصور تحتفظ بها بعناية. كان الوطن حاضرا في الذاكرة، غائبا في الواقع. بالنسبة للجيل الأول، لم يكن الحنين ضعفا، بل جزءا من الهوية، يرافقهم في العمل، وفي السكن، وحتى في الأحلام.
غياب الوعي بالصحة النفسية، إضافة إلى الثقافة السائدة آنذاك، جعلت الحديث عن القلق أو الاكتئاب أمرا نادرا. كثير من المهاجرين عبروا عن معاناتهم النفسية بآلام جسدية، أو تعب دائم، أو انسحاب اجتماعي. الصمت كان آلية دفاع، لكنه زاد من ثقل المعاناة.
العمل كوسيلة للهروب
بالنسبة لكثيرين، أصبح العمل وسيلة لتجنب التفكير. ساعات إضافية، التزام صارم، وانشغال دائم. العمل لم يكن فقط مصدر دخل، بل طريقة للهروب من الفراغ النفسي. غير أن هذا الهروب لم يكن دائما ناجحا، إذ كانت المشاعر المؤجلة تعود في لحظات السكون.
عندما بدأ لم الشمل العائلي، حمل المهاجرون معهم سنوات من التعب النفسي غير المعالج. هذا أثر أحيانا على العلاقات الأسرية، وعلى طريقة التواصل مع الأبناء، خاصة مع اختلاف السياق الثقافي. كثير من أبناء الجيل الثاني لمسوا هذا الصمت، دون أن يفهموا أسبابه في البداية.
الذاكرة النفسية للجيل الأول
اليوم، عند استرجاع تلك المرحلة، يتحدث بعض المهاجرين عن الحنين أكثر مما يتحدّثون عن العمل. عن الليالي الصامتة، والانتظار الطويل، والشعور الدائم بأنهم بين مكانين. هذه الذاكرة النفسية أصبحت جزءا من سردية الهجرة، لا تقل أهمية عن السكن والعمل.
رغم كل الصعوبات، أظهر الجيل الأول قدرة كبيرة على الصمود. غير أن هذا الصمود لا يلغي الحاجة إلى الاعتراف بما عاشوه نفسيا. فهم لم يواجهوا فقط ظروفا مادية قاسية، بل حملوا عبئا نفسيا صامتا لسنوات طويلة. الاعتراف بهذه التجربة يعيد الاعتبار لجانب إنساني طال تجاهله.
تكشف الصحة النفسية والحنين عند الجيل الأول من المهاجرين بعدا خفيا من تجربة الهجرة المغربية إلى بلجيكا، حيث تداخل العمل الشاق مع عزلة نفسية طويلة. وتندرج هذه التجربة ضمن مواضيع قسم ذاكرة الهجرة، كما تتكامل مع المسار الأشمل الذي يعالجه مقال تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج حول التحولات الإنسانية والاجتماعية للجالية عبر الأجيال.
تحرير: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.