محتويات الموضوع
لم تكن هجرة العمال المغاربة إلى بلجيكا في الستينات مسارا عشوائيا أو فرديا خالصا، بل خضعت لتنظيم رسمي شاركت فيه الدولة المغربية بشكل مباشر. فقد وجدت السلطات نفسها أمام تدفق متزايد من طلبات السفر للعمل في الخارج، ما فرض عليها لعب دور الوسيط والمنظم بين رغبة المواطنين وحاجيات الدول المستقبِلة.
بين البطالة الداخلية وفرص الخارج
في تلك المرحلة، كان المغرب يعيش تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة. البطالة، خصوصا في المناطق القروية، دفعت آلاف الشباب إلى البحث عن بدائل خارجية. أمام هذا الواقع، رأت الدولة في الهجرة العمالية وسيلة لتخفيف الضغط الاجتماعي، دون أن تتحول إلى فوضى أو هجرة غير مضبوطة. وهكذا، أصبح تنظيم الهجرة جزءا من سياسة تدبير اجتماعي أكثر منه مشروع هجرة طويل المدى.
تأطير إداري بدل المبادرة الفردية
حرصت الدولة المغربية على أن تمر طلبات العمل عبر قنوات رسمية. لم يكن مسموحا بالسفر للعمل بشكل فردي خارج هذه الأطر، خاصة نحو أوروبا. هذا التأطير الإداري سمح للسلطات بتتبع أعداد المغادرين، وضمان حد أدنى من التنظيم في عملية الانتقاء. كما شكل ذلك وسيلة لحماية صورة المغرب في الخارج، من خلال إرسال عمال ينظر إليهم على أنهم “منتقون” وقادرون على العمل.
التنسيق مع الجهات الخارجية
رغم أن القرارات الاقتصادية كانت تتخذ خارج المغرب، إلا أن الدولة المغربية لعبت دور حلقة الوصل. فقد نسقت مع الجهات المعنية بتنظيم الهجرة، وسهلت إجراءات التسجيل والفحوصات، وساهمت في ضبط وتيرة المغادرة. هذا التنسيق لم يكن دائما متوازنا، لكنه أتاح للدولة الحفاظ على حد من السيطرة على المسار العام للهجرة.
الهجرة كخيار مؤقت في التصور الرسمي
من المهم الإشارة إلى أن الدولة المغربية لم تتعامل مع الهجرة باعتبارها استقرارا دائما. التصور السائد آنذاك كان مبنيا على فكرة العمل المؤقت، ثم العودة. لذلك، لم تطرح أسئلة الاندماج أو الاستقرار الأسري في تلك المرحلة. هذا التصور سيصطدم لاحقا بواقع مختلف، مع طول مدة الإقامة وتحول الهجرة إلى مسار دائم.
أثر التنظيم على تجربة المهاجرين
بالنسبة للعمال، شكل هذا التنظيم إطارا مزدوجا. فمن جهة، وفر مسارا قانونيا واضحا. ومن جهة أخرى، قيد حرية الاختيار، وجعل كثيرين يشعرون بأنهم جزء من آلية إدارية أكثر من كونهم أصحاب قرار مستقل. ومع ذلك، ظل هذا الدور حاسما في تشكيل الموجة الأولى من الهجرة المغربية نحو بلجيكا.
من التنظيم إلى الذاكرة الجماعية
مع مرور الزمن، تحول دور الدولة في تنظيم الهجرة إلى جزء من الذاكرة الجماعية للجالية المغربية. فهذه المرحلة تفسر كيف انتقل القرار من الفرد إلى المؤسسة، وكيف تمت إدارة الهجرة باعتبارها ملفا اجتماعيا واقتصاديا في آن واحد.
يبرز هذا الدور الرسمي كيف ساهمت الدولة المغربية في ضبط مسار هجرة العمال، قبل أن تتقاطع هذه السياسات مع واقع جديد فرضته الإقامة الطويلة وتحول الهجرة إلى استقرار دائم. وتندرج هذه المحطة ضمن مواضيع قسم ذاكرة الهجرة، كما تتكامل مع الرؤية الأشمل التي يعالجها مقال تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج حول تشكل الجالية وتحولها عبر العقود.
تحرير: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.