محتويات الموضوع
رافق حلم العودة الهجرة المغربية منذ بدايتها. حمله المهاجرون معهم كفكرة مؤجّلة، تمنح الغربة معنى مؤقتا وتخفف قسوتها. قال كثيرون: سنعود قريبا، لا بوصفه قرارا واضحا، بل كطريقة للتعايش مع واقع جديد لم يختاروه بالكامل. غير أن الزمن أخذ مسارا مختلفا.
العودة كفكرة يؤجلها الزمن
في السنوات الأولى، تصوّر المهاجرون العودة باعتبارها نهاية طبيعية للتجربة. عملوا، ادّخروا، وربطوا وجودهم في بلجيكا بمرحلة مؤقتة. لكن الحياة اليومية فرضت إيقاعها الخاص. امتدّ العمل، واستقرّ السكن، وتأجل الرجوع مرة بعد أخرى، دون قرار صريح بإلغائه.
مع مرور الوقت، تغيّر موقع العودة في التفكير اليومي. لم يعد كثيرون يخططون لها فعليا، بل استحضروها في لحظات التعب أو الحنين. بقي الحلم حاضرا في الكلام، لكنه غاب عن الحسابات العملية، وتحول إلى فكرة مفتوحة بلا موعد.
العائلة تعيد رسم حدود القرار
لم يعمل الزمن وحده على تغيير هذا المسار. كبر الأبناء داخل بلجيكا، دخلوا المدرسة، وبنوا علاقاتهم بلغات وثقافة مختلفة عن تلك التي جاء بها الآباء. عند هذه النقطة، فقد قرار العودة طابعه الفردي، وأصبح قرارا يمس العائلة كلها.
هنا بدأ معنى الوطن يتغير. لم يعد المغرب مكانا واضحا للعودة النهائية، كما لم تبق بلجيكا مجرد محطة عابرة. عاش كثيرون هذا التحول بصمت، دون إعلان التخلي عن الحلم، ودون القدرة على تحقيقه كما تخيّلوه في البداية.
حين يتحول الحلم إلى ذاكرة
مع تقدم العمر، فقدت العودة بعدها العملي. أدرك كثير من المهاجرين أن الزمن تجاوز الفكرة، وأن ما تبقّى هو الذاكرة. لم يعودوا يسألون: متى نعود؟ بل صاروا يتساءلون: كيف نروي ما عشناه؟
في هذه المرحلة، تحوّل حلم العودة إلى عنصر سردي. رواه الآباء للأبناء، واستعادوه في الأحاديث، وحمل رمزية البدايات الأولى للهجرة. لم يعكس عدم العودة فشلا، بل عبّر عن مسار طويل أعاد تعريف الاستقرار والانتماء.
لم يتوقف حلم العودة بقرار مفاجئ، بل ذاب تدريجيًا داخل تفاصيل الحياة اليومية.
يمثّل هذا المقال آخر موضوع في سلسلة ذاكرة الهجرة. بعد توثيق العمل والسكن والتعليم والثقافة، يصل السرد هنا إلى لحظة التحول النهائية، حيث لم تعد الهجرة مؤقتة، ولم تعد العودة ممكنة كما حضرت في المخيال الأول.
من هنا، ينتقل المشروع من التوثيق الزمني إلى الفهم الشامل، تمهيدًا للقراءة الجامعة التي يقدّمها المقال: تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج
في امتداد التوثيق
وفي سياق هذا العمل، تواصل ArabVoice.be متابعة أنشطة ومستجدات الجالية المغربية، ورصد القضايا التي تهم مغاربة بلجيكا في حاضرهم اليومي. يحرص الموقع على توثيق كل جديد باعتباره جزءا من ذاكرة حيّة تكتب باستمرار، لا مجرد سجل للماضي.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.