أعادت إسبانيا ملف الهجرة بقوة إلى واجهة النقاش الأوروبي. الحكومة الإسبانية أعلنت مرسوما يقضي بتسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي وطالب لجوء، في وقت تتجه فيه دول أوروبية كثيرة إلى تشديد سياساتها الحدودية. هذا القرار فتح نقاشا مباشرا في بروكسل حول ما إذا كانت بلجيكا قادرة، أو راغبة، في السير في الاتجاه نفسه.
الحكومة الإسبانية تختار مسار التسوية
أقرّت الحكومة الاشتراكية، برئاسة Pedro Sánchez، المرسوم، وحددت شهر أبريل المقبل موعدا لبدء تطبيقه. يسمح القرار بتسوية أوضاع المهاجرين الذين عاشوا في إسبانيا خمسة أشهر على الأقل، أو الذين تقدموا بطلب حماية دولية قبل 31 ديسمبر 2025، شرط ألا يحملوا سجلا جنائيا.
قدمت الحكومة القرار باعتباره خيارا سياسيا واعيا، يهدف إلى تنظيم الهجرة بدل تركها خارج الإطار القانوني. واعتبرت أن الإدماج القانوني يعزز الاستقرار الاجتماعي ويخدم الاقتصاد في الوقت نفسه.
سوق العمل يدفع مدريد إلى التحرك
اختارت إسبانيا هذا التوقيت بينما سجل معدل البطالة تراجعا إلى أقل من 10% للمرة الأولى منذ أزمة 2008. في المقابل، واجهت قطاعات حيوية نقصا واضحا في اليد العاملة، خصوصا في الزراعة والبناء ورعاية المسنين والخدمات المنزلية.
تعتمد هذه القطاعات يوميا على عمال يعملون خارج الأطر الرسمية. عندما تسوي الدولة أوضاعهم، تدخلهم مباشرة إلى سوق العمل القانوني، وتضمن مساهمتهم الضريبية، وتمنحهم حماية اجتماعية أساسية.
تجربة أوروبية قديمة تعود إلى الواجهة
لم تبتكر إسبانيا هذا النهج من فراغ. قبل تشديد سياسات الهجرة واتفاقيات شنغن، استخدمت دول أوروبية كثيرة برامج تسوية جماعية. بين عامي 1996 و2008، نفذت سبع عشرة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي أكثر من أربعين عملية تسوية، خاصة في جنوب القارة.
في تلك المرحلة، تعاملت الحكومات مع التسوية كأداة عملية لتنظيم سوق العمل ومنح وضع قانوني لأشخاص يعملون فعلا داخل الاقتصاد الوطني.
بلجيكا تعتمد مسارا أكثر تحفظا
تتبع بلجيكا مقاربة مختلفة. تعتمد السلطات نظام تسوية دائم لكنه محدود، وترتبط شروطه أساسا بالعمل أو الروابط العائلية. تطرح الحكومة هذا النموذج بوصفه أكثر استقرارا، غير أن كثيرين يرون أنه أقل مرونة. سبق لبلجيكا أن نظمت تسوية كبرى عام 2000، وحصل خلالها نحو 40 ألف شخص على وضع قانوني. اليوم، تغير السياق السياسي بشكل واضح، ما يقلص فرص تكرار تجربة مشابهة في المستقبل القريب.
تشدد سياسي يقيد الخيارات
منذ تولي Bart De Wever رئاسة الحكومة، شددت السلطات شروط الاندماج. رفعت الحكومة رسوم طلب الجنسية إلى 1000 يورو، وضيقت شروط لمّ الشمل العائلي، وركزت خطابها على ضرورة الاكتفاء الذاتي الاقتصادي.
يرى منتقدو هذه السياسات أن الحكومة تضع معايير يصعب تحقيقها حتى على بلجيكيين عاملين، ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذه المقاربة على تشجيع الاندماج بدل إعاقته.
عمال أساسيون خارج الضوء
في خضم الجدل السياسي، يتجاهل النقاش العام أحيانا واقعا بسيطا. يعمل المهاجرون غير النظاميين في وظائف أساسية تحافظ على دوران الاقتصاد اليومي. يعتنون بكبار السن، ويعملون في الحقول، ويشاركون في تشييد المساكن.
من دون هؤلاء العمال، تواجه قطاعات كاملة خطر التوقف. لهذا السبب، يحذر خبراء من اختزال الهجرة في بعدها الأمني أو السياسي فقط، خاصة في قارة تعاني شيخوخة سكانية متسارعة.
هل تعيد بروكسل فتح الملف؟
في المرحلة الراهنة، لا تعطي الحكومة البلجيكية إشارات إلى نية إطلاق تسوية جماعية واسعة على غرار النموذج الإسباني. مع ذلك، قد يفرض ضغط سوق العمل والتغير الديمغرافي إعادة فتح النقاش مستقبلا، ولو بصيغة أكثر حذرا وأقل صخبا.
بين خيار المواجهة المباشرة الذي اختارته مدريد، والنهج المتحفظ الذي تتبعه بروكسل، يبقى ملف الهجرة حاضرا بقوة في النقاش الأوروبي، حتى إن حاولت بعض الحكومات تأجيل الحسم فيه.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.