محتويات الموضوع
في ستينات القرن الماضي، لم يكن حضور العمال المغاربة في بلجيكا نتيجة سياسة هجرة بحد ذاتها، بل استجابة مباشرة لحاجة اقتصادية ملحة. فقد وجدت بلجيكا نفسها أمام نقص حاد في اليد العاملة، خاصة في القطاعات الشاقة، وهو ما دفعها إلى البحث عن عمال من خارج حدودها، ضمن سياق اقتصادي واجتماعي خاص بتلك المرحلة.
بلجيكا بعد الحرب: اقتصاد ينمو ويد عاملة تغيب
مع نهاية الحرب العالمية الثانية، شهد الاقتصاد البلجيكي نموا متسارعا. المصانع توسعت، والطلب على الطاقة ارتفع، ما جعل المناجم عنصرا أساسيا في الدورة الاقتصادية. غير أن هذا النمو لم يكن مصحوبا بتوفر عدد كاف من العمال. مع مرور السنوات، بدأ كثير من العمال البلجيكيين يبتعدون عن الأعمال الشاقة والخطرة، خصوصا العمل تحت الأرض، بحثا عن وظائف أقل قسوة وأكثر استقرارا.
المناجم… قلب الأزمة
كانت مناجم الفحم في حاجة دائمة إلى يد عاملة قوية ومنتظمة. غير أن العمل داخلها ارتبط بمخاطر صحية وحوادث متكررة، إضافة إلى ساعات عمل طويلة في ظروف صعبة. هذا الواقع جعل المهنة أقل جاذبية للسكان المحليين، رغم أهميتها الاقتصادية. أمام هذا الوضع، أصبح استمرار بعض المناجم مهددا، وهو ما دفع أرباب العمل والسلطات إلى البحث عن حلول خارجية.
لماذا عمال من الخارج؟
كان اللجوء إلى عمال أجانب خيارا عمليا لتفادي شلل اقتصادي. فالعمال القادمون من الخارج كانوا أكثر استعدادا لقبول هذه الوظائف، سواء بسبب الحاجة المادية أو محدودية الفرص في بلدانهم الأصلية. كما أن هذا الحل مكن بلجيكا من الحفاظ على وتيرة الإنتاج دون إحداث اضطرابات اجتماعية داخلية. لم يكن الهدف هو دمج هؤلاء العمال في المجتمع، بل سد خصاص مؤقت في سوق العمل.
لماذا المغرب تحديدا؟
برز المغرب ضمن الدول التي وفرت يدا عاملة شابة وقادرة على تحمل طبيعة العمل الشاق. كما أن الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين الضفتين جعلت عروض العمل في بلجيكا جذابة لكثير من الشباب المغاربة، حتى وإن كانت في ظروف صعبة. إضافة إلى ذلك، ساهم القرب الجغرافي النسبي وسهولة التنقل مقارنة بدول أخرى في جعل المغرب خيارا عمليا لتلبية حاجيات سوق العمل البلجيكي.
العمل قبل أي اعتبار آخر
عند وصول العمال المغاربة، وجهت الغالبية نحو المناجم والصناعة الثقيلة. لم تكن هناك خطط استقرار أو إدماج اجتماعي واضحة. كل شيء كان يدور حول العمل والإنتاج. السكن كان غالبا جماعيا، والعلاقات مع المجتمع المحلي محدودة. ورغم قسوة الظروف، اعتبر كثير من العمال هذه المرحلة ضرورية لتحقيق هدف واحد: تحسين الوضع المعيشي، ولو بشكل مؤقت.
من حل اقتصادي إلى واقع اجتماعي
مع مرور الوقت، بدأ هذا الحل الاقتصادي يفرز واقعا اجتماعيا جديدا. فبقاء العمال لفترات أطول، ثم التحاق بعض أفراد أسرهم لاحقا، جعل الحضور المغربي يتحول من وجود عمالي مؤقت إلى مكون بشري دائم داخل المجتمع البلجيكي. ما بدأ كاستجابة لحاجة اقتصادية، أصبح أساسا لتشكل الجالية المغربية في بلجيكا.
الذاكرة الإنسانية للمرحلة
في ذاكرة الجيل الأول، ارتبطت تلك السنوات بالعمل الشاق أكثر من أي شيء آخر. لم يكن الحديث عن الاندماج أو الهوية حاضرا آنذاك. كان التركيز منصبا على لقمة العيش، وتحمل الغربة، والعودة في نهاية المطاف. غير أن الزمن سار في اتجاه آخر.
في السياق العام لذاكرة الهجرة
تفسر هذه الخلفية الاقتصادية الأسباب التي دفعت بلجيكا إلى فتح أبوابها أمام العمال المغاربة في الستينات، قبل أن تتقاطع لاحقا مع أطر تنظيمية رسمية ومسارات إنسانية أكثر تعقيدا. وتندرج هذه المرحلة ضمن مواضيع قسم ذاكرة الهجرة، كما تتكامل مع الصورة العامة التي يرسمها مقال تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج حول تشكل الجالية المغربية وتحولها عبر العقود.
تحرير: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.