محتويات الموضوع
رغم سمعة بلجيكا كدولة مزدهرة ومستقرة اقتصاديًا، فإن الفقر في بلجيكا ما زال واقعًا مريرًا يعاني منه أكثر من 2.1 مليون شخص. تشير بيانات هيئة Statbel إلى أن نحو 18% من السكان يواجهون خطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي. هذا الرقم يعكس معاناة آلاف الأسر التي تكافح يوميًا لتغطية احتياجاتها الأساسية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. ومع أن البلاد تمتلك واحدًا من أقوى أنظمة الرفاه في أوروبا، فإن تزايد الأسعار وثبات الأجور جعلا كثيرين يعيشون تحت ضغط مستمر.
تعتمد بلجيكا على مؤشر “خطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي” (AROPE) لتقييم الوضع. يشمل هذا المؤشر ثلاثة عناصر مترابطة: ضعف الدخل، والحرمان المادي والاجتماعي، وانخفاض المشاركة في سوق العمل. وتُظهر هذه المعايير أن الفقر لا يرتبط فقط بالدخل المحدود، بل أيضًا بالتفاوت في التعليم والسكن وتوزيع الفرص.
تفاوت إقليمي يكشف عمق الأزمة
يتوزع الفقر في بلجيكا بشكل غير متوازن بين الأقاليم. في بروكسل العاصمة، ترتفع معدلات الفقر بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة إيجاد عمل مستقر. تسجل بلديات مثل Molenbeek-Saint-Jean وSaint-Josse-ten-Noode أعلى نسب هشاشة في البلاد، إذ تعاني هذه المناطق من ضعف فرص التشغيل وارتفاع الإيجارات. أما في والونيا، فقد ساهم تراجع النشاط الصناعي في زيادة البطالة وتدهور القدرة الشرائية. في المقابل، تحافظ فلاندرز على توازنها الاقتصادي بفضل تنوع قطاعاتها واستقرار سوق العمل. وتُظهر هذه الفوارق أن الفقر يرتبط بدرجة التنمية الاقتصادية في كل منطقة.
العمل لا يضمن الخروج من الفقر
يواجه آلاف البلجيكيين معضلة صعبة: يعملون بجدّ لكنهم لا يحققون حياة كريمة. تشمل ظاهرة “الفقر العامل” فئات تشتغل بدوام جزئي أو بأجور منخفضة. تؤكد تقارير اجتماعية أن ارتفاع تكاليف السكن والطاقة والنقل يلتهم جزءًا كبيرًا من الرواتب الشهرية، فيجد العمال أنفسهم مضطرين إلى طلب المساعدة رغم استمرارهم في العمل. هكذا يتحول العمل من وسيلة للنجاة إلى صراع دائم مع الغلاء، خصوصًا داخل المدن الكبرى.
الفئات الأكثر تضررًا من الفقر
تُظهر الإحصاءات أن الأسر ذات العائل الواحد تواجه أكبر المخاطر، خاصة الأمهات اللاتي يربين أطفالًا بمفردهن دون دعم كافٍ. وتعاني العديد من الأسر المهاجرة من ضعف فرص الاندماج والتمييز في سوق العمل، مما يقلل من دخلها الشهري ويزيد هشاشتها الاقتصادية. تؤكد الجمعيات المحلية أن هذه الفئات تحتاج دعمًا مضاعفًا، خصوصًا في مجالات التعليم والسكن والرعاية الاجتماعية. كما أن المهاجرين الجدد غالبًا ما يواجهون صعوبة في الحصول على وظائف مستقرة بسبب نقص اللغة وضعف الشبكات المهنية.
التعليم… الحل الأكثر استدامة
يرى الخبراء أن التعليم يمثل أداة فعّالة للخروج من دائرة الفقر. فالأشخاص الذين يمتلكون شهادات جامعية يحصلون على وظائف أفضل وأجور أعلى. لكن التفاوت في جودة التعليم بين المناطق والمدارس يحرم آلاف الأطفال من فرص متكافئة للنهوض الاجتماعي. ويؤدي هذا الواقع إلى استمرار الفقر عبر الأجيال، إذ يجد أبناء الأسر الفقيرة أنفسهم عالقين في نفس الدائرة. لذلك، يدعو المتخصصون إلى إصلاحات تعليمية تضمن المساواة في الفرص منذ المراحل الأولى.
سياسات حكومية تبحث عن التوازن
تُخصص الحكومة البلجيكية نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي لبرامج الدعم الاجتماعي. تشمل هذه البرامج إعانات البطالة والمساعدات السكنية والمنح العائلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة، يرى خبراء الاقتصاد أن هذه السياسات تُخفف من آثار الفقر لكنها لا تعالجه من جذوره. ولذلك، يدعو المختصون إلى إصلاحات أكثر عمقًا تركز على التدريب المهني، وتحفيز التشغيل، وتحسين الأجور الدنيا. كما يطالبون بتبسيط الإجراءات الإدارية لتسهيل وصول الأسر المحتاجة إلى الدعم في الوقت المناسب، لأن البيروقراطية تعيق أحيانًا الفئات الأشد ضعفًا.
الفقر يترك بصمته على الصحة النفسية والاجتماعية
الفقر لا يسرق المال فقط، بل يضعف الصحة النفسية ويُعمّق الشعور بالعزلة. فالأشخاص الذين يعيشون في ضائقة مالية يعانون من توتر مزمن وقلق مستمر، مما ينعكس على توازنهم النفسي والعائلي. وتشير التقارير الصحية إلى أن معدلات الاكتئاب والاضطرابات النفسية ترتفع بين ذوي الدخل المحدود. كما يؤدي الضغط المالي إلى تفكك العلاقات الأسرية وضعف المشاركة في الحياة الاجتماعية. ولذلك، تعتبر المنظمات الإنسانية أن مواجهة الفقر تبدأ بحماية كرامة الإنسان قبل أي شيء آخر.
نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافًا
لمواجهة هذه الأزمة، تحتاج بلجيكا إلى رؤية جديدة تربط بين النمو الاقتصادي والتوزيع العادل للثروة. فالازدهار الحقيقي لا يتحقق بالأرقام وحدها، بل حين يشعر كل مواطن بالأمان المادي والاجتماعي. إن الاستثمار في التعليم، وتوفير فرص عمل كريمة، وضمان السكن اللائق، تشكل ركائز أساسية لبناء مجتمع أكثر تماسكًا وإنصافًا.
شاركنا رأيك في التعليقات: هل تنجح بلجيكا في تقليص الفقر قريبًا، أم أن الطريق ما زال طويلاً؟
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.