محتويات الموضوع
لم يكن التمييز دائما واضحا داخل الفصل الدراسي. في كثير من الحالات، ظهر لاحقا وبطريقة أكثر هدوءا، عند لحظة التوجيه المدرسي. هناك، اتخذت المدارس قرارات حاسمة حول مستقبل الأطفال، دون صدام مباشر، ودون لغة قاسية، لكن بنتائج طويلة الأمد أثرت في المسار الدراسي والمهني.
التوجيه المدرسي: قرار مبكر يرسم المسار
يشكل التوجيه المدرسي مرحلة مفصلية في النظام التعليمي البلجيكي. بعد سنوات قليلة من الدراسة، تقترح المدرسة مسارا معيّنا للتلميذ، اعتمادا على تقييم عام للأداء. غير أن هذا التقييم لم يعتمد دائما على القدرات الفعلية وحدها. بالنسبة لعدد كبير من أبناء الجالية المغربية، جاء التوجيه مبكرا وحاسما. اقترحت المدارس مسارات مهنية أو تقنية، حتى عندما أظهر بعض التلاميذ قدرة على المتابعة في التعليم العام. لم يقدم القرار باعتباره تمييزا، لكنه افتقر في حالات كثيرة إلى المرونة وإلى إمكانية المراجعة.
اللغة والتوقعات المنخفضة
لعب عامل اللغة دورا أساسيا في هذا المسار. ضعف التحكم في لغة التدريس خلال السنوات الأولى أثر في نتائج التقييم، حتى عندما تحسن مستوى التلميذ لاحقا. ومع ذلك، نادرا ما أعادت المؤسسات النظر في قرارات التوجيه الأولى. إضافة إلى ذلك، أثرت التوقعات المسبقة في قراءة الأداء المدرسي. رأى بعض المدرسين في أبناء العمال المغاربة تلاميذ بآفاق محدودة، ليس دائما عن قصد، بل نتيجة صور نمطية متراكمة. وهكذا، تحول التوجيه من أداة دعم تربوي إلى أداة تصنيف غير معلنة.
الأسرة خارج دائرة القرار
في المقابل، وجدت الأسر نفسها بعيدة عن مسار اتخاذ القرار. لم يمتلك الآباء المعرفة الكافية بالنظام التعليمي، ولا اللغة التي تمكنهم من فهم البدائل أو من الاعتراض. لذلك، قبلوا التوجيه المقترح بثقة، اعتقادا منهم أن المدرسة تختار الأصلح لأبنائهم. في الواقع، لم يكن هذا القبول خيارا واعيا. بل جاء نتيجة فجوة معلوماتية واضحة، زادها ضغط العمل اليومي والإرهاق. ومع مرور الوقت، أصبح القرار المدرسي نهائيا في نظر العائلة، دون نقاش أو مراجعة.
أثر التوجيه على المسار الاجتماعي
مع مرور السنوات، بدأت آثار هذا التوجيه المبكر في الظهور. فتح التعليم المهني أبوابا سريعة لسوق العمل، لكنه أغلق في المقابل مسارات تعليمية أخرى. شعر بعض التلاميذ أن المدرسة حددت سقف طموحهم منذ سن مبكرة، بينما تقبل آخرون المسار بوصفه قدرا طبيعيا. ومع ذلك، لم يكن المسار واحدا للجميع. استطاع بعض أبناء الجيل الثاني كسر هذا التوجيه والعودة إلى مسارات أكاديمية أعلى. غير أن هذا النجاح تطلب جهدا مضاعفا، ودعما خارجيا، ووعيا تربويا لم يكن متاحا للجميع.
لم يكن التوجيه المدرسي دائمًا ظالمًا، لكنه لم يكن محايدًا في جميع الحالات.
يكمل هذا المقال ما سبق تناوله حول تجربة المدرسة وصعوبات التعلم، ويكشف آلية أقل وضوحا لكنها أكثر تأثيرا. كما يندرج ضمن السرد الأشمل الذي يقدمه مقال تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج، حيث يظهر التعليم كمساحة حاسمة بين الإدماج وإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.