محتويات الموضوع
لم يعد الحديث عن التونسيين في بلجيكا يقتصر على قصص العمل الأولى أو عقود الستينيات والسبعينيات. اليوم، هناك جيل جديد ولد هنا أو جاء طفلا، وتشكلت هويته بين مدرستين وثقافتين وإيقاعين مختلفين للحياة. هذا الجيل لا يعيش سؤال “كيف نهاجر؟” بل سؤالا آخر أكثر تعقيدا: كيف ننجح هنا دون أن نفقد جذورنا؟
الجيل الجديد من التونسيين في بلجيكا لا يحمل نفس تصور الهجرة المؤقتة الذي عاشه الآباء. بالنسبة له، بلجيكا ليست محطة، بل واقع يومي كامل، بكل ما فيه من فرص وتحديات.
هوية مزدوجة… لكن دون صراع دائم
في البيت، قد تستعمل الدارجة التونسية أو الفرنسية. في المدرسة أو العمل، تفرض الفرنسية أو الهولندية نفسها. هذا التنوع اللغوي لا يخلق دائما صداما، بل يخلق مرونة. الجيل الجديد يتنقل بين السياقات بسهولة، ويطوّر قدرة على فهم بيئتين في آن واحد. مع ذلك، تبقى أسئلة الهوية حاضرة. كيف يعرّف نفسه؟ تونسي؟ بلجيكي؟ أم الاثنين معا؟ في الغالب، لا يبحث هذا الجيل عن إجابة نظرية. يكتفي بحياة عملية تثبت حضوره عبر الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية. الهوية هنا ليست شعارا، بل تجربة يومية تتغير حسب المكان والمرحلة العمرية.
التعليم والعمل: معيار الاندماج الحقيقي
يربط الجيل الجديد نجاحه في بلجيكا بالتعليم أولا، ثم بالاستقرار المهني. المدرسة والجامعة تمثلان نقطة التحول الأساسية. هناك من يختار التعليم العالي، وهناك من يفضل التكوين المهني، وآخرون يدخلون سوق العمل مبكرا ثم يعودون لاحقا للدراسة. هذا التنوع في المسارات لا يعكس تشتتا، بل تكيفا مع واقع السوق البلجيكي. اللغة تلعب دورا حاسما، خصوصا في المناطق التي تتطلب إتقان الهولندية. لذلك، يدرك كثير من الشباب أن تحسين اللغة ليس خيارا إضافيا، بل شرطا أساسيا للتقدم. الجيل الجديد لا يكتفي بالبحث عن وظيفة. هو يبحث عن استقرار مهني يمنحه استقلالية حقيقية ومساحة لبناء حياة طويلة الأمد.
العلاقة مع تونس: من فكرة العودة إلى فكرة الرابط
الجيل الأول عاش على فكرة “العودة يوما ما”. أما الجيل الجديد، فنادرا ما يفكر بهذه الطريقة. تونس بالنسبة له ليست وجهة مستقبلية حتمية، بل جذور عائلية وثقافية يحرص على الحفاظ عليها. الزيارات الصيفية، الروابط العائلية، والمشاركة في المناسبات تبقى حاضرة، لكن الحياة المهنية والاجتماعية تتمركز في بلجيكا. هذا التحول يعكس انتقالا من هجرة مؤقتة إلى استقرار فعلي.
وفي هذا السياق، تبدو الجالية التونسية في بلجيكا في مرحلة جديدة. لم تعد تقتصر على جيل يبحث عن فرصة عمل، بل أصبحت تضم شبابا يسعون إلى موقع واضح داخل المجتمع، بهدوء ودون ضجيج.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.