محتويات الموضوع
بعد أربعة وعشرين عاما بين الزنازين البلجيكية والأميركية، يعود اسم نزار طرابلسي إلى الواجهة مجددا. التونسي البالغ من العمر 55 سنة أعلن، بعد أسابيع من الإفراج عنه، رغبته في التقدم بطلب رسمي لإعادة النظر في الحكم الصادر بحقه في بلجيكا. يستند إلى تبرئته لاحقا من قبل القضاء الأميركي. طرابلسي، الذي يتحدث بدقة لافتة عن تفاصيل مساره القضائي، من أرقام الزنازين إلى فقرات الأحكام، يقول إنه قرر الإدلاء بشهادته اليوم. وذلك حتى لا تتكرر، حسب تعبيره، ما يصفها بـ“الانتهاكات التي تعرض لها”.
تشكيك في اعترافات سابقة
في صلب روايته الجديدة، يعيد طرابلسي التشكيك في الاعترافات التي أدلى بها سابقا بشأن مشروع هجوم استهدف قاعدة عسكرية في منطقة ليمبورغ. يؤكد اليوم، وبنبرة حاسمة، أنه لم يكن هناك أي مشروع في بلجيكا أو أوروبا. ويقول إن ما قام به اقتصر على “تلبية طلب” تلقاه أثناء وجوده في أفغانستان. يعترف، بتحفظ شديد، بأن الشخص الذي تقدم بالطلب هو أسامة بن لادن، لكنه يرفض كشف أي تفاصيل إضافية. يدعي ذلك بدعوى “الوفاء بالوعد”. ويشدد على نقطة واحدة يكررها أكثر من مرة: “لم يكن من المفترض أن تُسفك أي دماء”.
من السجون البلجيكية إلى العزل القاسي في أميركا
بعد انتهاء محكوميته في بلجيكا، تم تسليم طرابلسي إلى الولايات المتحدة حيث قضى 13 سنة إضافية. كانت الظروف، حسب قوله، شديدة القسوة. يتحدث عن عزلة طويلة، وإنارة دائمة داخل زنزانته، وضغوط نفسية دفعته إلى حافة الانهيار. لاحقا، صدر حكم ببراءته في الولايات المتحدة. وهو القرار الذي يعتبره اليوم أساسا قانونيا لمطلب إعادة النظر في قضيته داخل بلجيكا.
مسار قضائي معقد لإعادة المحاكمة
محامو نزار طرابلسي يؤكدون أن طلب المراجعة ممكن من حيث المبدأ، لكنه مسار نادر ومعقد. ويتطلب الأمر أولا جلب كامل الملف الأميركي، ثم استرجاع الأرشيف القضائي البلجيكي، وبعد ذلك مقارنة الحكمين. الدفاع يرى أن وجود قرارين قضائيين متناقضين حول نفس الوقائع يطرح إشكالا قانونيا حقيقيا. يستحق القرار الدراسة، دون الجزم بإمكانية قلب الحكم النهائي.
بين الشعور بالظلم ومحاولة بدء حياة جديدة
طرابلسي لا يخفي مرارته تجاه كل من بلجيكا والولايات المتحدة، ويكرر أنه كان ضحية ما يصفه بـ“القرارات السياسية”. في المقابل، ينفي أن يكون مدفوعا بروح الانتقام، مؤكدا أن همه اليوم ينحصر في صحته وعائلته، خصوصا والدته المريضة. ورغم الإفراج عنه، يعترف بصعوبة التأقلم مع الحياة خارج السجن. يقول بصراحة إنه ما زال يحن أحيانا إلى “هدوء الزنزانة”، بعد سنوات طويلة من العزلة.
تعويضات مالية ومطالب أميركية
بعد سلسلة من الأحكام، اضطرت الدولة البلجيكية إلى دفع 350 ألف يورو لطرابلسي كغرامات تهديدية. وهو مبلغ أثار جدلا واسعا لدى الرأي العام، غير أن المعني بالأمر يعتبره غير كاف لتعويض سنوات عمره التي ضاعت خلف القضبان. في الوقت نفسه، تطالبه السلطات الأميركية بدفع نحو 200 ألف دولار. هذا المبلغ كمصاريف مرتبطة بالإجراءات القضائية.
متابعة أمنية في بروكسل
منذ 22 أكتوبر، يقيم نزار طرابلسي في فندق متواضع داخل العاصمة بروكسل، ويخضع لمتابعة من قبل الأجهزة الأمنية. وقد صنفته هيئة تنسيق تحليل التهديد في المستوى الثاني، أي “تهديد ضعيف الاحتمال”. وتفيد ملاحظات أمنية بأن قناعاته الإيديولوجية غير محددة بدقة، مع احتمال بقائه متشبثا بأفكار متطرفة، دون وجود مؤشرات حالية على نية تنفيذ أعمال عنف.
خبراء يرصدون مؤشرات خطاب التطرف
مختصون في علم الإجرام يرون أن خطاب طرابلسي يتضمن عناصر معروفة في سرديات التشدد. منها تبني صورة الضحية والتشديد على منطق الولاء. ويوضحون أن التخلي عن العنف لا يعني التخلي عن القناعات. بل يقصد وقف ترجمتها إلى أفعال غير قانونية.
وضع إداري معلق واستحالة الترحيل حاليا
على المستوى الإداري، يوجد طرابلسي في وضع غير مستقر. فهو يقيم في بلجيكا دون إقامة قانونية نهائية، بعد أن أمضى أكثر من شهرين في مركز مغلق بمدينة ميركسپلاس، قبل الإفراج عنه بقرار قضائي. السلطات البلجيكية ترغب في ترحيله إلى تونس، غير أن هذا الخيار مجمد بسبب خطر تعرضه للتعذيب هناك. وزارة الهجرة سبق أن أكدت أن يدها “مقيدة بقرارات القضاء”، فيما لم يصدر أي رد رسمي من الجانب التونسي إلى الآن.
الملف يبقى مفتوحا على احتمالات متعددة، بين مطلب إعادة المحاكمة، والمتابعة الأمنية، والتعقيد الإداري، في واحدة من أكثر القضايا حساسية في القضاء البلجيكي المعاصر.
اقرأ أيضا: الجالية التونسية في بلجيكا: حضور هادئ وأدوار متزايدة داخل المجتمع البلجيكي
المصدر: RTBF بالتصرف
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.