محتويات الموضوع
لم يعد الحديث عن التجنيس البلجيكي للسوريين موضوعا نظريا أو بعيد المنال كما كان في السنوات الأولى بعد اللجوء. فمع مرور الوقت، وانتقال آلاف السوريين من وضع الحماية المؤقتة إلى الإقامة المستقرة، أصبح طلب الجنسية البلجيكية محطة طبيعية في مسار الاستقرار، لكنها تبقى خطوة محكومة بشروط دقيقة ومسار زمني لا يسير بالوتيرة نفسها للجميع.
السؤال الذي يتكرر كثيرا هو: متى يمكن للسوري التقدم بطلب التجنيس؟ وما الذي تنظر إليه السلطات فعليا عند دراسة الملف؟ الإجابة، كما في أغلب الملفات المرتبطة بالهجرة، لا تختصر في شرط واحد أو مدة ثابتة.
من اللجوء إلى فكرة التجنيس
يبدأ مسار التجنيس عادة بعد سنوات من الإقامة القانونية المتواصلة. السوري الذي حصل على صفة لاجئ أو حماية فرعية لا يمكنه التفكير مباشرة في الجنسية، إذ تشترط القوانين البلجيكية المرور أولا بمرحلة الاستقرار القانوني، ثم إثبات الاندماج الفعلي داخل المجتمع. بعبارة أخرى، لا تنظر الدولة إلى التجنيس كمكافأة زمنية، بل كنتيجة لمسار اندماج متكامل.
المدة المطلوبة بعد اللجوء
في أغلب الحالات، يستطيع السوري التقدم بطلب الجنسية بعد خمس سنوات من الإقامة القانونية المتواصلة في بلجيكا. تبدأ هذه المدة من تاريخ تسجيل الإقامة، وليس من تاريخ تقديم طلب اللجوء. لكن هذه المدة وحدها لا تكفي. فالزمن شرط أساسي، لكنه ليس الشرط الوحيد.
شروط التجنيس كما تقيّم عمليا
عند دراسة ملف التجنيس، لا تكتفي السلطات بالتحقق من عدد سنوات الإقامة، بل تنظر إلى مجموعة عناصر مجتمعة. أول هذه العناصر هو الاستقرار القانوني. يجب أن يحمل المتقدم إقامة قانونية غير مهددة، وأن يكون وضعه الإداري واضحا. العنصر الثاني يتمثل في الاندماج الاجتماعي والاقتصادي. هنا تلعب عدة مؤشرات دورا مهما، مثل العمل، أو التكوين، أو الدراسة، أو أي نشاط يظهر مشاركة فعلية في الحياة العامة. أما العنصر الثالث فيرتبط بـ احترام القوانين. السجل العدلي النظيف يشكل عاملا حاسما، إذ قد يؤدي ارتكاب مخالفات خطيرة إلى تعطيل الملف أو رفضه.
اللغة: شرط أساسي لا يمكن تجاوزه
تفرض بلجيكا إثبات معرفة إحدى اللغات الوطنية، الفرنسية أو الهولندية أو الألمانية، حسب الإقليم. لا يكفي الادعاء بالقدرة على التواصل اليومي، بل يجب تقديم ما يثبت ذلك عبر شهادة معترف بها، أو مسار اندماج رسمي، أو شهادة دراسية. في الواقع، يشكل شرط اللغة أحد أكثر الأسباب التي تؤدي إلى تأجيل ملفات التجنيس، خاصة لدى من لم يستثمروا مبكرا في هذا الجانب.
هل يختلف وضع اللاجئ عن الحماية الفرعية؟
من حيث المبدأ، لا تميز القوانين بين اللاجئ والحاصل على حماية فرعية عند التقدّم بطلب الجنسية، طالما استوفى الطرفان شروط الإقامة والاندماج. لكن عمليا، قد يواجه أصحاب الحماية الفرعية تدقيقا أكبر في مسألة الاستقرار الطويل المدى، خاصة إذا كان وضعهم القانوني لا يزال مرتبطا بتقييم دوري للوضع في البلد الأصلي.
مدة معالجة طلب الجنسية
بعد إيداع ملف التجنيس، لا يحصل المتقدم على جواب فوري. تستغرق المعالجة عادة عدة أشهر، وقد تمتد إلى أكثر من سنة، حسب تعقيد الملف والضغط على الإدارات المختصة. خلال هذه الفترة، يمكن للنيابة العامة والبلدية مراجعة الملف وإبداء الملاحظات، دون أن يعني ذلك وجود مشكلة بالضرورة.
أسباب شائعة للتأخير أو الرفض
تتأخر ملفات كثيرة لأسباب متكررة، من بينها:
-
نقص في الوثائق
-
ضعف إثبات الاندماج
-
غياب شهادة اللغة
-
مشاكل في السجل العدلي
في معظم هذه الحالات، لا يكون الرفض نهائيا، بل يفتح الباب أمام إعادة التقديم بعد تصحيح الوضع.
التجنيس كمرحلة جديدة من الاستقرار
بالنسبة لكثير من السوريين، لا يمثل التجنيس مجرد تغيير في الوضع القانوني، بل انتقالا رمزيا من مرحلة اللجوء إلى مرحلة الانتماء المدني الكامل. هذه الخطوة تغيّر العلاقة مع الدولة، وتمنح إحساسا أكبر بالأمان والاستقرار، خاصة على مستوى العمل، والتنقل، والمشاركة السياسية. مع ذلك، يظل قرار التقدّم بطلب الجنسية قرارا شخصيا، يرتبط بتجربة كل فرد، وتقديره لمسار حياته بين بلد الأصل وبلد الاستقرار.
يندرج هذا الموضوع ضمن الملف الأشمل الذي يتناول الجالية السورية في بلجيكا، حيث نعرض صورة أوسع لمسارات الاستقرار والوضع القانوني والتحولات التي يعيشها السوريون داخل المجتمع البلجيكي.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.