في خطوة تعكس تحولا واضحا في مقاربة ملف الغياب طويل الأمد بسبب المرض، اتفقت الحكومتان الفيدرالية والفلمنكية على تعزيز تعاونهما من أجل إعادة إدماج هذه الفئة في سوق العمل. الاتفاق الجديد لا يكتفي بتقديم الدعم، بل يضع أيضا إطارا أكثر صرامة يربط بين الاستفادة من المرافقة والالتزام بالمسارات المهنية المقترحة.
الاتفاق جاء بعد مشاورات بين وزيرة العمل في فلاندرز Zuhal Demir ووزير الصحة الفيدرالي Frank Vandenbroucke، حيث تم التوصل إلى بروتوكول يهدف إلى تسريع عودة المرضى إلى النشاط المهني، مع الحفاظ على أولوية الوضع الصحي لكل شخص.
واقع يفرض التحرك
الأرقام الحالية تضع السلطات أمام تحد حقيقي. فبلجيكا تسجل ما يقارب 585 ألف شخص خارج سوق العمل منذ أكثر من سنة بسبب المرض. هذا الرقم لم يعد يُنظر إليه فقط كملف اجتماعي، بل أصبح أيضا قضية اقتصادية تمس توازن سوق الشغل.
في هذا السياق، تعمل الحكومة على توسيع برنامج “Back-to-Work”، الذي يستهدف الأشخاص القادرين على استئناف نشاط مهني بشكل جزئي أو تدريجي. الهدف المعلن هو رفع عدد المسارات السنوية من 15 ألفا إلى 20 ألفا بحلول سنة 2029، وهو ما يعكس رغبة واضحة في تسريع الوتيرة خلال السنوات القادمة.
من الانتظار إلى التحرك المبكر
أحد أبرز التغييرات التي يحملها الاتفاق يتعلق بتقليص مدة الانتظار قبل إدخال الأشخاص في مسارات الإدماج. فبدل الانتظار لمدة سنة كاملة، سيتم تقليص هذه الفترة إلى ستة أشهر فقط. أما الأشخاص الذين لا يتوفرون على عقد عمل، فلن يكونوا ملزمين بأي فترة انتظار، ما يعني إدماجهم بشكل أسرع.
كما سيتم توجيه المرضى إلى هيئة التوظيف VDAB عبر قنوات متعددة، من بينها الأطباء العامون وأطباء الشغل وصناديق التأمين الصحي. هذا التنسيق يهدف إلى تفادي ضياع الوقت بين المؤسسات المختلفة.
مسارات فردية… لكن بشروط واضحة
السلطات تؤكد أن كل حالة سيتم التعامل معها بشكل فردي، مع الأخذ بعين الاعتبار القدرات الصحية والنفسية للشخص. الفكرة ليست دفع الجميع إلى العمل بأي ثمن، بل البحث عن وظائف أو مهام تتناسب مع وضعهم الحالي. في المقابل، يضع الاتفاق مبدأ “الحقوق مقابل الالتزامات” في صلب هذا النظام. بمعنى أن الأشخاص الذين لديهم القدرة على العمل، ولو بشكل جزئي، سيكون عليهم التسجيل لدى VDAB وحضور المواعيد المحددة.
وفي حال عدم الالتزام بهذه الخطوات، قد يتم فرض عقوبات، وهو عنصر جديد نسبيا في هذا النوع من السياسات، ويعكس توجها نحو ربط الدعم الاجتماعي بدرجة التفاعل مع برامج الإدماج.
رقمنة وتبسيط الإجراءات
ضمن هذا التوجه، سيتم إطلاق منصة رقمية لتبادل المعطيات بين مختلف الجهات، بما في ذلك NIHDI وصناديق التأمين وVDAB. الهدف هنا واضح: تقليل التعقيدات الإدارية وتسريع معالجة الملفات. كما ينتظر أن تساهم هذه الخطوة في تحسين متابعة الحالات بشكل أدق، وتوفير صورة أوضح عن مسار كل مستفيد.
توازن دقيق بين الدعم والانخراط
في العمق، تحاول الحكومة تحقيق توازن ليس سهلا. فمن جهة، هناك حاجة إلى حماية الأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية حقيقية، ومن جهة أخرى، هناك ضغط متزايد لإعادة تنشيط سوق العمل وتقليص عدد الغائبين لفترات طويلة.
الرسالة التي تحاول السلطات إيصالها تبدو واضحة: الدعم سيستمر، وربما سيتحسن، لكن في المقابل سيكون هناك انتظار أكبر من المعنيين للانخراط في مسارات العودة إلى العمل، كل حسب قدرته.
هذا التحول قد لا يظهر أثره بشكل فوري، لكنه يضع الأساس لسياسة جديدة عنوانها: إدماج أسرع، متابعة أدق، ومسؤولية مشتركة بين الدولة والمستفيد.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.