محتويات الموضوع
عندما وصل العمال المغاربة الأوائل إلى بلجيكا في الستينات، لم يكن السكن جزءا من الحلم، بل مجرد ضرورة مؤقتة. لم يفكر أحد آنذاك في الاستقرار أو الحياة العائلية، إذ ارتبط السكن العمالي بفكرة الإقامة القصيرة والعمل الشاق، في ظروف ستترك أثرا عميقا في ذاكرة الهجرة المغربية.
جاء معظم العمال المغاربة إلى بلجيكا وهم يحملون تصورا بسيطا عن الغربة: العمل لسنوات قليلة، ادخار المال، ثم العودة. هذا التصور انعكس مباشرة على نوعية السكن الذي وفر لهم، والذي لم يكن مهيأ لحياة طويلة أو لعائلات، بل فقط لإيواء مؤقت قرب أماكن العمل.
الغرف الجماعية كحل عملي
في بدايات الهجرة، أسكن العمال المغاربة في غرف جماعية أو مساكن مشتركة، غالبا داخل بنايات قديمة أو قريبة من المناجم والمصانع. كانت الغرفة الواحدة تضم عدة عمال، يتقاسمون المساحة، وأحيانا حتى الأسرة، وفق نظام نوبات العمل. لم يكن الهدف توفير الراحة، بل ضمان القرب من مكان العمل وتقليل التكاليف.
شروط قاسية وحياة بسيطة
اتسمت ظروف السكن بالبساطة الشديدة. تجهيزات محدودة، خصوصية شبه منعدمة، وغياب وسائل الراحة الأساسية. بالنسبة لكثير من العمال، لم يكن السكن سوى مكان للنوم بعد يوم طويل من العمل. ومع ذلك، تحولت هذه الغرف إلى فضاءات للتضامن، حيث نشأت علاقات قوية بين العمال، جمعتهم الغربة والحاجة والحنين المشترك.
السكن والانعزال الاجتماعي
ساهم نمط السكن الجماعي في تعزيز عزلة العمال المغاربة عن المجتمع البلجيكي. فالإقامة كانت غالبا محصورة في أحياء أو مناطق صناعية، بعيدة عن الحياة الاجتماعية اليومية. هذا الوضع جعل التفاعل مع السكان المحليين محدودا، ورسخ الإحساس بالانفصال المؤقت عن المجتمع. في تلك المرحلة، لم يكن الاندماج مطروحا، لا من طرف الدولة ولا من طرف العمال أنفسهم.
من الإيواء المؤقت إلى الاستقرار القسري
مع مرور السنوات، تغير الواقع. توقفت الهجرة المنظمة، لكن كثيرا من العمال بقوا في بلجيكا. السكن المؤقت بدأ يفقد معناه، خاصة مع تقدم العمر واستحالة العودة السريعة. هذا التحول فرض البحث عن حلول سكنية أكثر استقرارا، ومهد لاحقا لانتقال العمال من الغرف الجماعية إلى الشقق، ثم إلى لم الشمل العائلي.
الذاكرة الإنسانية للسكن العمالي
في ذاكرة الجيل الأول، ارتبط السكن العمالي بمشاعر متناقضة. من جهة، كان رمزا للبدايات القاسية والتضحيات. ومن جهة أخرى، شكل فضاء لتبادل القصص، والرسائل القادمة من المغرب، وأحلام العودة التي تأجلت. هذه التفاصيل اليومية الصغيرة أصبحت اليوم جزءا من ذاكرة جماعية تروى للأبناء والأحفاد.
لم يكن السكن مجرد مسألة لوجستية، بل لعب دورا محوريا في تحول الهجرة المغربية إلى بلجيكا. فمع تغير أنماط السكن، تغير أيضا التصور العام للهجرة، من تجربة عمل مؤقتة إلى مسار حياة طويل الأمد.
في السياق العام لذاكرة الهجرة
تُبرز تجربة السكن العمالي جانبا خفيا من الهجرة المغربية إلى بلجيكا، حيث تكشف كيف شكلت ظروف الإيواء الأولى جزءا من التحديات اليومية التي واجهها العمال. وتندرج هذه المحطة ضمن مواضيع قسم ذاكرة الهجرة، كما تتكامل مع الصورة الأشمل التي يعالجها مقال تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج حول تحول الهجرة إلى استقرار دائم عبر الأجيال.
تحرير: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.