في بروكسل، حيث يشكل غير البلجيكيين قرابة 40% من السكان ويعود أغلبهم إلى الجيل الأول أو الثاني من الهجرة. يتجدد النقاش حول كلمتين تبدوان بسيطتين، لكنهما تحملان شحنة ثقيلة من المعاني: «مغترب – Expat» و«مهاجر – Immigrant». النقاش لا يقتصر على اللغة. بل يمس صورة الأشخاص عن أنفسهم، وطريقة نظر المجتمع إليهم. وما إذا كانت هذه التسميات تعكس الواقع أم تعيد إنتاج فوارق غير مرئية.
يرى عدد من الباحثين أن الفصل بين المصطلحين يخلق انقساما مصطنعا بين أشخاص يعيشون ظروفا متشابهة. فالجميع قدموا من بلدان أخرى للاستقرار والعمل وبناء حياة جديدة. ومع ذلك، يتم التعامل مع فئة على أنها «مغتربة» وأخرى على أنها «مهاجرة»، وكأن التجربتين مختلفتان جذرياً.
بين فقاعة الحي الأوروبي والواقع اليومي
ارتبط مصطلح «مغترب» في أذهان كثيرين بالحي الأوروبي في بروكسل، حيث تتمركز مؤسسات الاتحاد الأوروبي ويعمل آلاف الموظفين الدوليين. هناك من يستخدم الكلمة تلقائيا، حتى وإن لم يكن مرتاحا لها، لأنها أصبحت جزءا من الثقافة اليومية. في المقابل، يتساءل باحثون عن سبب وصف موظف أوروبي قادم للعمل في مؤسسة رسمية بـ«مغترب»، بينما يوصف شخص آخر من بلد مختلف يعمل في مطعم أو ورشة أو متجر بـ«مهاجر»، رغم أن كليهما ترك بلده لأسباب اقتصادية أو مهنية. هذا التناقض، بحسب مختصين، يعكس في كثير من الأحيان خلفية بلد الأصل أكثر مما يعكس طبيعة الهجرة نفسها. وهو ما يجعل المصطلح أقرب إلى توصيف اجتماعي غير معلن.
آراء متباينة داخل شوارع المدينة
آراء سكان بروكسل تعكس هذا الانقسام بوضوح. بعضهم يرى أن «مغترب» كلمة محايدة ولا تحمل أي نية تمييزية. آخرون يعتبرونها تعبيرا عن تسلسل هرمي خفي، يضع فئة من القادمين في مرتبة أعلى من غيرهم. في المقابل، يصر عدد من المقيمين على أنهم «مهاجرون» ويفضلون هذا الوصف، لأنه أكثر دقة ويعبر عن تجربتهم كما هي، دون تجميل لغوي. وهناك أيضا من يرفض أي تصنيف، ويكتفي بالقول إنه يعيش في بروكسل كمواطن أوروبي أو كإنسان يبحث عن حياة أفضل.
مصطلحات تؤثر على الاندماج
يحذر خبراء من أن طريقة استخدام هذه الكلمات لا تبقى في إطار النقاش اللغوي فقط، بل تؤثر عمليا على الاندماج الاجتماعي. فعندما يشعر القادم الجديد بأنه موصوف سلبا منذ البداية، قد يتراجع إحساسه بالانتماء. أما عندما ينظر إليه كجزء طبيعي من المجتمع، تزداد فرص مشاركته ومساهمته. كما يشير مختصون إلى أن الإعلام غالبا ما يربط أخبار الجريمة بكلمة «مهاجرين»، بينما نادرا ما تستخدم كلمة «مغتربين» في السياق نفسه، وهو ما يعزز الصور النمطية ويغذي التمييز.
في مدينة متعددة الثقافات مثل بروكسل، يتفق كثيرون على أن الأهم ليس أي كلمة نختارها، بل كيف نبني خطابا يعترف بالجميع على قدم المساواة، ويعكس حقيقة أن التنوع أصبح جزءا أساسيا من هوية المدينة.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.