محتويات الموضوع
لم تبدأ صعوبة الهجرة في المصانع أو الأحياء فقط. بل امتدّت، وبشكل واضح، إلى قاعات الدراسة. هناك، وجد أبناء العمال المغاربة في المدارس البلجيكية أنفسهم داخل مؤسسة لا تشبه البيت، ولا تفهم لغتهم، ولا تدرك الخلفية التي جاؤوا منها. وهكذا، تحولت المدرسة منذ السنوات الأولى إلى فضاء اختبار يومي للانتماء والقدرة على التكيف.
مدرسة بلغة واحدة وعالمين مختلفين
في البداية، دخل الأطفال المدرسة وهم يحملون لغتهم من البيت، وثقافتهم من العائلة. غير أن المدرسة البلجيكية استقبلتهم بلغة واحدة فقط، دون تمهيد أو دعم كاف. لذلك، واجه كثير منهم صعوبة في الفهم والتعبير، ليس بسبب ضعف القدرة، بل بسبب غياب الوسيط. مع مرور الأسابيع، لاحظ المعلمون الفجوة، لكنهم فسروها غالبا كضعف دراسي. في المقابل، شعر الأطفال بالعزلة داخل الفصل. لم يكن الاختلاف واضحا في المظهر فقط، بل في طريقة الكلام، وفي الإيقاع اليومي، وحتى في العلاقات مع الزملاء.
بين التقييم السريع والتوجيه المبكر
بعد ذلك، بدأت مرحلة التقييم. اعتمدت المدارس على نتائج سريعة لتحديد المسار الدراسي، دون أخذ السياق العائلي أو اللغوي بعين الاعتبار. وهكذا، وجه عدد كبير من أبناء الجالية المغربية نحو التعليم المهني أو التقني في سن مبكرة. في كثير من الحالات، لم ينبع هذا التوجيه من ضعف حقيقي في القدرات. بل لعبت اللغة، والصورة النمطية، وتوقعات منخفضة دورا حاسما. ومع الوقت، أصبح المسار الدراسي شبه مغلق منذ الطفولة، لا بسبب اختيار واع، بل نتيجة قرار مبكر.
الأسرة بين الثقة والصمت
من جهة أخرى، واجهت الأسر صعوبة في فهم النظام التعليمي. لم يتقن الآباء اللغة، ولم يعرفوا آليات الاعتراض أو المتابعة. لذلك، وثقوا في قرارات المدرسة، ظنا منهم أنها الأصلح لأبنائهم. في هذا السياق، لم يكن الصمت علامة رضا، بل نتيجة جهل بالإجراءات وحدود التدخل. كما أن ضغط العمل، والإرهاق اليومي، جعلا المتابعة المدرسية مسألة ثانوية. لم يكن ذلك إهمالا، بل واقعا فرضته ظروف الهجرة الأولى.
أثر طويل المدى على المسار الاجتماعي
مع مرور السنوات، ظهر أثر هذه البدايات الصعبة. فبينما تمكن بعض الأبناء من كسر المسار المفروض، ظل آخرون عالقين داخله. أثر ذلك في فرص العمل لاحقا، وفي الثقة بالنفس، وحتى في العلاقة مع المجتمع والمؤسسات. ومع ذلك، لا تختزل هذه التجربة في الفشل. بل شكلت، عند كثيرين، دافعا لإعادة التفكير في التعليم، ودور الأسرة، وأهمية الوعي بالحقوق المدرسية. لاحقا، بدأ الجيل الثاني يطالب بمسارات أوسع، ويفتح نقاشا حول العدالة التربوية داخل المدرسة البلجيكية.
لم تكن المدرسة فضاء محايدا للجميع، لكنها كانت نقطة التحوّل الأولى في مسار أبناء الهجرة.
تكمل هذه التجربة ما سبقها من مسارات التمييز في السكن والعمل، وتفتح الباب لفهم التحول بين جيل الآباء وجيل الأبناء. كما تندرج ضمن السرد الأشمل الذي يقدمه مقال تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج، حيث يظهر التعليم كأحد مفاتيح الصعود أو الإقصاء الاجتماعي.
كتب: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.