محتويات الموضوع
لم يكن التمييز مجرد إحساس غامض يرافق البدايات. بل على العكس، عاشه كثير من المغاربة في تفاصيل يومية ملموسة. فمنذ الأيام الأولى، واجهوا رفضا في السكن، وترددا في العمل، وحدودا غير معلنة رسمها المجتمع والمؤسسات معا. هكذا، تشكل واقع من الإقصاء الهادئ رافق مسار الاستقرار في بلجيكا. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه التجارب فردية. بل تحولت تدريجيا إلى ذاكرة مشتركة، تناقلها الناس بصمت، وفسروا من خلالها كثيرا من اختياراتهم اللاحقة.
السكن: أبواب تغلق دون تفسير
في البداية، اعتقد كثيرون أن البحث عن مسكن مسألة وقت فقط. غير أن الواقع سرعان ما كشف غير ذلك. رفض عدد من الملاك طلبات المغاربة، بينما فرض آخرون شروطا إضافية لم يطلبوها من غيرهم. إضافة إلى ذلك، ألغى بعضهم الزيارات في آخر لحظة، أو توقف عن التواصل فور معرفة الاسم أو سماع اللهجة.
في الظاهر، لم يعلن أحد الرفض صراحة. لكن عمليا، فهم المغاربة الرسالة بسرعة. ومع تكرار المحاولات الفاشلة، تقلص هامش الاختيار، وتركز السكن في أحياء محددة. لم يحدث ذلك بدافع الانتماء، بل نتيجة انسداد البدائل. يلخص أحد أبناء الجيل الأول تلك المرحلة بقوله:
«كنا ملي كنمشيو نشوفو شي دار، غير نبانو ليهم مغاربة .. مكيبغيو حتى افتحو لنا الباب، كيقولو لنا الدار ديجا كريناها.»
العمل: القبول بلا استقرار
في المقابل، فتح أصحاب العمل أبوابهم أمام اليد العاملة المغربية. لكن، في الوقت نفسه، وضعوا حدودا واضحة للاستقرار. فقدموا وظائف شاقة بعقود قصيرة، وطلبوا ساعات إضافية دون مقابل منصف، ثم أبعدوا المغاربة عن فرص الترقية والمسؤولية.
عندما حاول بعض العمال الاعتراض، فسر أصحاب القرار ذلك كعدم امتنان. لذلك، اختار كثيرون الصمت، ليس اقتناعا، بل حفاظا على مصدر العيش. ومع الزمن، عاملت بعض المؤسسات العامل المغربي كقوة عمل مؤقتة، لا كشريك مهني كامل الحقوق. يستحضر أحد العمال تلك المرحلة بعبارة بسيطة:
«الخدمة كانت كاينة، ولكن الكرامة كانت كتتفاوض كل نهار.»
من الشهادة الفردية إلى الذاكرة الجماعية
في تلك المرحلة، لم تبن المؤسسات قنوات واضحة لتوثيق هذه الوقائع. كما لم توفر آليات فعالة للشكوى أو المتابعة. ونتيجة لذلك، نقل الآباء هذه التجارب شفهيا إلى أبنائهم، جيلا بعد جيل. ومع الوقت، تحولت القصة الفردية إلى ذاكرة جماعية.
ما اعتبره البعض سابقا سوء حظ، يقرأ اليوم كنمط متكرر. هذا النمط أثر في مسارات السكن والعمل، ثم امتد لاحقا إلى التعليم والاستقرار الاجتماعي. ومع ذلك، لم يقف الناس مكتوفي الأيدي.
فعليا، طورت الجالية حلولا عملية للبقاء. اعتمدت على التضامن الداخلي، والسكن المشترك، وشبكات العمل غير الرسمية. ورغم أن هذه الحلول لم تنه التمييز، فإنها سمحت ببناء حياة ممكنة داخل حدود الواقع.
التمييز في السكن والعمل لم يكن حادثا معزولا، بل سياقا رسم مسارات حياة وحدد اختيارات طويلة الأمد.
ضمن هذا السياق، تتقاطع هذه الشهادات مع مسارات أخرى موثقة في ذاكرة الهجرة، خاصة تلك المرتبطة ببدايات العمل والاستقرار.
اقرأ أيضا: تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج
كتب: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.