محتويات الموضوع
لم يكن الوصول إلى بلجيكا نهاية الرحلة، بل بدايتها الأصعب. في السنوات الأولى من الهجرة، وجد المغاربة أنفسهم في فضاء جديد، بلغة مختلفة ونظرات حذرة، حيث لم تكن العنصرية معلنة دائما، لكنها كانت حاضرة في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الإقصاء اليومي.
لم تكن كلمة “عنصرية” متداولة كما هي اليوم. كثير من المغاربة لم يمتلكوا المفردات لوصف ما يواجهونه، لكنهم شعروا به بوضوح. نظرات في الشارع، صمت في الحافلات، تجاهل في الإدارات، وتعامل بارد في أماكن العمل. كان الإحساس عاما: أنت هنا للعمل، لا أكثر. هذا الشكل الصامت من التمييز جعل كثيرين يعتقدون أن المشكلة فيهم، لا في النظام أو المجتمع. وهنا تكمن قسوته.
في العمل: القبول المشروط
قبل المغاربة كيد عاملة، لكن بحدود واضحة. العمل كان متاحا، نعم، لكنه غالبا في أقسى الظروف وأخطرها. الاعتراض لم يكن خيارا، لأن البديل كان فقدان الوظيفة، أو ما هو أسوأ: العودة القسرية. في كثير من الحالات، كان العامل المغربي يعامل كرقم، لا كإنسان. لم يكن هذا دائما نابعا من عداء مباشر، بل من ثقافة ترى في المهاجر عنصرا مؤقتا، غير معني بالحقوق أو الكرامة الطويلة الأمد.
في الحياة اليومية: الإحساس بعدم الترحيب
خارج المصانع والمناجم، استمر الإقصاء بشكل أكثر خفاء. صعوبة استئجار مسكن، جيران يتجنبون الحديث، وأطفال يكتشفون مبكرا أنهم “مختلفون” في ساحات اللعب. لم يكن المغاربة وحدهم في هذا، لكن غياب أي إطار للحماية أو الاعتراف جعل التجربة أكثر قسوة. لم تكن هناك جمعيات قوية، ولا خطاب عام يتحدث عن الاندماج أو التنوع.
الصمت كآلية بقاء
أمام هذا الواقع، اختار كثيرون الصمت… الصمت لم يكن قبولا، بل وسيلة للاستمرار. كان الاعتقاد السائد أن الزمن سيحل كل شيء، وأن العمل الجاد كفيل بتغيير النظرة. هذا الصمت الجماعي أخر تشكل الوعي الحقوقي، لكنه في الوقت نفسه خلق ذاكرة مشتركة، تستعاد اليوم بشيء من المرارة، وأحيانا بالفخر.
من التجربة الفردية إلى الذاكرة الجماعية
ما عاشه الأفراد تحول لاحقا إلى سرد جماعي. حين بدأ الحديث عن العنصرية بشكل علني بعد سنوات، أدرك كثيرون أن ما اعتبروه “تجربة شخصية” كان في الحقيقة تجربة جيل كامل. هذه المرحلة الصامتة تفسر الكثير مما جاء بعدها:
الحذر، التمسك بالجالية، وبطء الانخراط في الفضاء العام.
لم تكن العنصرية في البدايات صاخبة، لكنها كانت عميقة الأثر.
في سياق أوسع من الذاكرة
لفهم هذه المرحلة ضمن سياقها الكامل، يمكن الرجوع إلى مقالات أخرى ضمن ذاكرة الهجرة التي توثق مسارات العمل والاستقرار، إضافة إلى المقال المرجعي تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج، حيث تتقاطع هذه التجربة مع تحولات لاحقة في الوعي والحقوق.
بقلم: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.