محتويات الموضوع
الجيل الثاني من اللبنانيين في بلجيكا يعيش هوية مزدوجة بطريقة عملية. هو جيل ولد أو تربى هنا، وتعلم في مدارس بلجيكية، ثم دخل سوق العمل المحلي. ومع ذلك، بقيت جذوره اللبنانية حاضرة في البيت والذاكرة. هذا المقال يشرح الصورة بدقة، اعتمادا على أبحاث بلجيكية حول أبناء المهاجرين.
من نقصد بالجيل الثاني؟
في الأدبيات البلجيكية، يقصد بالجيل الثاني عادة الأشخاص المولودون في بلجيكا ولديهم والد/والدة ولد خارج بلجيكا. هذا التعريف تستعمله مراجعات علمية حديثة حول سوق الشغل في بلجيكا. وهنا نقطة مهمة: كثيرون من أبناء الجالية اللبنانية في هذا الجيل يحملون الجنسية البلجيكية. لذلك، الإحصاء بالجنسية وحدها لا يلتقطهم بدقة.
خلفية بلجيكية سريعة: التنوع صار واقعا يوميا
المكتب البلجيكي للإحصاء طور مؤشرات “الأصل/الخلفية” بدل الاكتفاء بالجنسية، لأنها أدق في قياس التنوع. وتظهر بياناتها أن حصة ذوي “الخلفية البلجيكية” تراجعت عبر السنوات، بينما ارتفعت حصة ذوي “الخلفية الأجنبية” وحصة غير البلجيكيين.
هذا السياق يفسر لماذا يكبر الجيل الثاني اليوم في مدارس وأحياء أكثر تنوعا، وهو عامل يسهل “طبيعة الهوية المركبة” بدل تحويلها إلى صراع.
المدرسة… مصنع الهوية اليومية
المدرسة في بلجيكا ليست مكان دراسة فقط. هي أيضا المكان الذي تبنى فيه اللغة الاجتماعية، وشبكات الأصدقاء، ونبرة “أنا من هنا”. لذلك نرى كثيرا من أبناء الجيل الثاني يتعاملون مع الهوية بهدوء:
-
في البيت: عادات، طبخ، لهجة، قصص عائلية.
-
في الخارج: أصدقاء متعددون، لغة محلية، ونمط حياة بلجيكي واضح.
وبدل سؤال “أنا من أين؟” يتحول الأمر إلى سؤال عملي: “كيف أعيش يومي؟”.
اللغة عند الجيل الثاني: استعمال مرن لا معركة رمزية
في الواقع البلجيكي، اللغة مرتبطة بالمدرسة والعمل والإدارات. لذلك يتقدم الفرنسية أو الهولندية تلقائيا. ومع ذلك، تبقى العربية (أو خليط عربي/فرنسي/هولندي) حاضرة في البيت، خصوصا في العلاقات العائلية. هذه المرونة لا تعني فقدان الهوية. بل تعني أن الهوية صارت “مفردات حياة” أكثر من كونها شعارا.
سوق العمل: أين تظهر الفجوة فعلًا؟
هنا نحتاج دقة. الدراسات البلجيكية الكبيرة تشير إلى أن أبناء المهاجرين (الجيل الثاني) لا يحصلون دائما على نفس فرص سوق الشغل مثل أبناء الأسر المولودة محليا. مراجعة علمية ممولة في بلجيكا وجدت أن معظم الدراسات التي تناولت نتائج التشغيل للجيل الثاني رصدت فروقًا مقارنة بالمحليين، رغم وجود بعض الدراسات التي لم تجد فروقًا في مجموعات محددة.
كما يؤكد تقرير Myria (IMMILAB) أن افتراض “الجيل الثاني سيكون مثل المحليين تلقائيًا” متفائل أكثر من اللازم في بلجيكا، وأن المصعد الاجتماعي لا يعمل بنفس القوة للجميع.
هذه النتائج لا تعطي رقما خاصا باللبنانيين وحدهم. ما نستطيع قوله بدقة هو أن أبناء الجيل الثاني في بلجيكا قد يواجهون نفس آليات التفاوت التي ناقشتها الأدبيات: تمييز، شبكات اجتماعية متفاوتة، أو صعوبات “الاعتراف الرمزي” حتى مع شهادات جيدة.
لماذا قد يبدو “اللبنانيون” أقل صداما في تجربة الهوية؟
هذا استنتاج تحليلي، وليس رقما إحصائيا. الجالية اللبنانية غالبا ما تظهر في بلجيكا عبر قنوات اندماج “ناعمة”: تجارة، خدمات، مطاعم، ومهن حرة. وفي بروكسل تحديدا، توجد إشارات في تقارير محلية إلى وجود لبناني قديم في مناطق مثل Cureghem، مع نشاط اقتصادي معروف تاريخيا (ذكر مثلا في تجارة السيارات المستعملة). هذا النوع من الاستقرار الاقتصادي المبكر يساعد الجيل الثاني على العيش بين مجتمعين دون توتر يومي.
شبكات الجالية: “التواصل المهني” بدل “التكتل”
من اللافت أن مبادرات الجالية في بلجيكا تميل أحيانا إلى بناء شبكات مهنية وخدماتية. مثال واضح: السفارة اللبنانية في بروكسل أطلقت منصة “Networking” بهدف ربط أفراد الجالية، وتبادل فرص عمل وخدمات، وتعزيز التواصل بين اللبنانيين.
بالنسبة للجيل الثاني، هذه الأدوات تخلق معنى جديدا للانتماء: ليس فقط “أصل وهوية”، بل أيضا “شبكة وفرص”.
كثير من أبناء الجيل الثاني عندما تتحدث معهم، لا يبدؤون بسؤال الهوية أصلا. يبدأون بسؤال أبسط: “وين بتشتغل؟ وشو بتعمل؟“. ثم تأتي الهوية لاحقا، على شكل تفاصيل صغيرة: طبق على الطاولة، أغنية قديمة، أو عادة عائلية لا تناقش كثيرا. هذه التفاصيل هي التي تمنع الصراع… لأنها لا تحتاج خطابا.
إذا أردت صورة أوسع عن مسارات الهجرة والعمل والاستقرار عبر العقود، ارجع إلى مقالنا المرجعي حول الجالية اللبنانية في بلجيكا، لأنه يضع الجيل الثاني داخل سياقه الطبيعي.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.