محتويات الموضوع
لم تكن الهجرة المغربية إلى بلجيكا رحلة عمل فقط، بل مسار حياة انتهى، في حالات كثيرة، بالموت بعيدا عن الوطن. خلف سنوات الغربة والعمل، توجد حكايات صامتة عن الوفاة والدفن خارج الأرض الأم، حملت معها أسئلة عميقة عن الانتماء، والحنين، ومعنى النهاية بعيدا عن الجذور.
الموت في الغربة: صدمة فردية وجماعية
عندما كان العمال المغاربة يغادرون وطنهم في الستينات، لم يكن الموت جزءا من التصور. الهجرة كانت مؤقتة في المخيال العام، والعودة كانت حاضرة دائما. لكن مرور السنوات، وتقدم العمر، وتحولات الواقع، جعلت كثيرين يواجهون نهاية الحياة في بلد لم يكن يوما وجهتهم الأخيرة.
وفاة المهاجر في الغربة لم تكن صدمة شخصية فقط، بل لحظة ارتباك جماعي. الأسرة في المغرب، والأقارب في بلجيكا، والجيران، جميعهم وجدوا أنفسهم أمام واقع قاس، تحكمه المسافة والإجراءات والاختلافات الثقافية. في كثير من الحالات، كان الخبر يصل متأخرا، محملا بالعجز والأسئلة.
الدفن بين الوطن وبلد الإقامة
أمام الوفاة، برز خياران صعبان: إعادة الجثمان إلى المغرب أو الدفن في بلجيكا. كلا القرارين كان ثقيلا نفسيا. العودة إلى الوطن عبرت عن التعلق بالجذور، لكنها اصطدمت بتعقيدات إدارية وتكاليف مرتفعة. أما الدفن في بلجيكا، فكان ينظر إليه أحيانا كتنازل مؤلم عن حلم العودة الأخيرة.
مع تكرار هذه الحالات، بدأت الجالية المغربية تبحث عن حلول جماعية. ظهرت مقابر إسلامية أو أقسام مخصصة داخل المقابر البلدية، شكلت أول اعتراف عملي بوجود دائم للمسلمين في بلجيكا. لم تكن هذه الخطوة دينية فقط، بل رمزية، إذ عبرت عن تحول الهجرة من مرحلة مؤقتة إلى واقع مستقر.
الحزن الصامت ومعنى الانتماء
الجنازات في الغربة كانت لحظات تضامن قوية، لكنها أيضا لحظات مواجهة مع حقيقة صعبة: أن بعض المهاجرين أنهوا حياتهم بعيدا عن الأرض التي حلموا بالعودة إليها. في هذه اللحظات، طرح سؤال الانتماء بحدة: أين ينتمي الإنسان بعد عقود من الغربة؟ إلى مكان الميلاد أم إلى المكان الذي عاش فيه ومات؟
بالنسبة للجيل الأول، ظل هذا السؤال مفتوحا، يحمل تناقضا بين الوجدان والواقع. أما الأجيال التالية، فقد بدأت تنظر إلى بلجيكا كموطن نهائي، بما في ذلك فكرة الدفن، في تحول يعكس تغير العلاقة مع الأرض والهوية.
في السياق العام لذاكرة الهجرة
تكشف قصص الوفاة والدفن بعيدا عن الوطن جانبا عميقا من تجربة الهجرة المغربية إلى بلجيكا، حيث تلاقت الغربة مع النهاية، وفرضت واقعا جديدا على الجالية. وتندرج هذه التجربة ضمن مواضيع قسم ذاكرة الهجرة، كما تتكامل مع المسار الأشمل الذي يعالجه مقال تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج حول التحولات الوجودية التي رافقت الهجرة عبر الأجيال.
تحرير: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.