محتويات الموضوع
تتزايد المخاوف في الأوساط السياسية والأكاديمية من بقاء إقليم بروكسل-العاصمة دون حكومة جديدة إلى غاية انتخابات 2029، بعد فشل جديد ومؤلم في مسار المفاوضات. هذا الانسداد يعمّق حالة الشلل السياسي، ويطرح أسئلة جدية حول قدرة الطبقة السياسية الحالية على تجاوز خلافاتها.
فشل جديد في مهمة تشكيل الحكومة
أعلن المكلّف بتشكيل الحكومة، إيفان فيروغسترات (حزب Les Engagés)، هذا الأسبوع تخليه رسميا عن مهمته، بعد أسابيع من المحاولات غير المثمرة لبناء أغلبية برلمانية. وأوضح، بنبرة إحباط واضحة، أن انسحاب الحزب الليبرالي الفلامندي Anders من طاولة المفاوضات كان القشة التي قصمت ظهر المبادرة.
الباحث السياسي داف سيناردِت (جامعة VUB) وصف الوضع بعبارات قاسية، معتبرا أن ما يجري يعكس عجزا سياسيا حقيقيا. لقد تم تجريب تقريبا كل الصيغ الممكنة دون نتيجة.
الثقة المكسورة بين الأحزاب الكبرى
المبادرة الأخيرة كانت تهدف إلى تشكيل حكومة وسط-يسار، عرفت إعلاميا بصيغة “Guinness”، وضمت طيفا واسعا من الأحزاب الفرنكوفونية والفلامندية. ورغم أنها أعطت انطباعا أوليا بإمكانية التقدم، إلا أنها انهارت سريعا، خاصة بسبب الخلافات العميقة بين حزبي MR و PS.
سيناردت يؤكد أن أي حديث عن العودة إلى صيغ سابقة يصطدم بمشكل واحد: انعدام الثقة التام بين قيادات هذه الأحزاب، خصوصا بين أحمد لعويج (PS) وجورج-لويس بوشيه (MR). في هذا السياق، لا يرى الباحث أي اختراق ممكن، ما لم تتغير مواقف الأحزاب. أو يتم استبدال بعض الفاعلين الأساسيين. أو تظهر ضغوط خارجية أقوى.
حكومة تصريف أعمال حتى 2029؟
في غياب هذه العوامل، يعتبر سيناردت أن السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار حكومة تصريف الأعمال الحالية إلى غاية انتخابات 2029. ويصف هذا الاحتمال بأنه “سيناريو درامي” يعكس حالة الشلل الكامل التي تعيشها بروكسل سياسيا. الضربة الأخيرة لمسار فيروغسترات جاءت مع انسحاب وزير الميزانية ديرك دي سمدت (Anders) في اللحظات الأخيرة. هذا الأمر سمح لبقية الأحزاب بتوجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى الليبراليين.
حزب “Anders” واختيار المعارضة
بحسب سيناردت، فإن مشاركة حزب Anders في الحكومة لا تتماشى مع الاستراتيجية الجديدة لزعيمه فريديريك دي غوخت. فهو يسعى لتقديم حزبه كقوة معارضة “مختلفة” في كل المستويات. والمفارقة أن بروكسل تبقى المكان الوحيد الذي يمتلك فيه الحزب وزنا حاسما، لكنه اختار رغم ذلك البقاء خارج أي تسوية.
هل الانتخابات المبكرة حل؟
قانونيا، لا يمكن تنظيم انتخابات إقليمية مبكرة في بلجيكا دون تعديل دستوري. هذا أمر يتطلب أغلبية الثلثين في البرلمان الفدرالي. حتى لو تحقق ذلك، سيظل على نواب برلمان بروكسل التصويت لصالح حل مؤسستهم. أي التصويت على إنهاء ولايتهم بأنفسهم. هذا سيناريو يبدو مستبعدا.
الشارع يتحرّك: 600 يوم بلا حكومة
في هذا السياق، أعلنت منظمات مدنية تنظيم تظاهرة جديدة يوم 30 يناير وسط بروكسل، احتجاجا على مرور 600 يوم دون حكومة إقليمية فعلية. الناشط إريك فاندِزانده حذر من تداعيات خطيرة، خاصة في ملفات اللجوء، التشرد، والخدمات الاجتماعية. كما أشار إلى أن العاصمة تتحمّل عبئا غير متوازن لسياسات فدرالية فاشلة. كما عبرت المنظمات عن قلقها من تآكل الثقة الاقتصادية، وتأجيل المشاريع العمومية، وفقدان فرص الشغل. ويأتي كل ذلك في ظل غياب قيادة سياسية قادرة على اتخاذ القرار.
أزمة أعمق من مجرد مفاوضات
سيناردِت لا ينفي وجود مشاكل بنيوية في النظام المؤسساتي لبروكسل، سواء على مستوى البنية المعقدة أو النظام الانتخابي غير المتكيف مع الواقع الحالي. لكنه يصر على أن ذلك لا يمكن أن يكون ذريعة دائمة. ويؤكد أن السياسة، في النهاية، تقوم على التنازلات، وهي الغائبة اليوم بشكل شبه كامل.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.