محتويات الموضوع
لم تتشكل الجالية التونسية في بلجيكا دفعة واحدة، ولم تبنى على موجة هجرة واحدة واضحة المعالم. حضورها اليوم هو نتيجة مسارات متعددة، بدأت بالعمل وانتهت بالاستقرار، وتحوّلت مع الوقت إلى تجربة اجتماعية متكاملة داخل مجتمع بلجيكي متنوع. على عكس جاليات أخرى أكبر عددا أو أقدم حضورا، ظل الوجود التونسي أقل صخبا، لكنه أكثر حركة وتكيّفا. وهذا ما يجعل فهمه يحتاج إلى قراءة هادئة، بعيدة عن الصور النمطية أو التعميمات السريعة.
متى وكيف بدأت الهجرة التونسية إلى بلجيكا؟
بدأ الحضور التونسي في بلجيكا في سياق أوروبي عام، خلال أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، حين كانت بلجيكا تبحث عن يد عاملة لتغطية حاجات قطاعات صناعية وخدمية. لم تكن تونس الوجهة الأولى، لكنها كانت جزءا من هذا المسار. الهجرة في بدايتها كانت عملية ومؤقتة في نظر كثيرين. العمل أولا، ثم العودة المحتملة. غير أن جزءا من هؤلاء استقرّ، ومع مرور السنوات التحقت العائلات، وتحول الوجود من عمال إلى مقيمين، ثم إلى أجيال جديدة ولدت أو تربّت داخل بلجيكا.
أين يعيش التونسيون في بلجيكا اليوم؟
لا توجد خريطة رسمية تحدّد تمركز التونسيين حسب الأحياء أو البلديات. ما يمكن ملاحظته هو ميل عام نحو المدن الكبرى، وعلى رأسها العاصمة، ثم انتقالات داخلية حسب العمل والسكن. بعكس جاليات معروفة باستقرارها في أحياء محددة منذ عقود، يبدو التونسيون أكثر تنقّلا داخل البلاد. يبدأ كثيرون في مدينة، ثم ينتقلون إلى أخرى عندما تتغيّر ظروفهم المهنية أو العائلية. المدينة هنا ليست هوية، بل مرحلة.
العمل: من الدخول السريع إلى البحث عن الاستقرار
يمثّل العمل حجر الأساس في تجربة التونسيين في بلجيكا. في الغالب، تبدأ المسارات المهنية بقطاعات تسمح بالدخول السريع إلى سوق الشغل، ثم تتغير مع الوقت. الخدمات، المطاعم، البناء، واللوجستيك تشكل نقاط عبور شائعة. لاحقا، ينتقل بعض التونسيين إلى مسارات أكثر استقرارا، خاصة بعد تحسين اللغة أو معادلة الشهادات. هذا التنقّل بين القطاعات ليس فشلا، بل تكيفا تدريجيا مع واقع السوق.
اللغة والاندماج: بين الواقع والانتظارات
تعد اللغة من أكثر العوامل تأثيرا في تجربة التونسيين في بلجيكا. الفرنسية تسهّل البداية في مناطق كثيرة، لكن الهولندية تفرض نفسها في مراحل لاحقة، خاصة مهنيا. الاندماج لا يحدث بشكل خطي. بعض التونسيين يشعرون بسرعة بالانتماء، بينما يحتاج آخرون وقتا أطول. وغالبا ما يكون الاندماج عمليا قبل أن يكون ثقافيا: عمل، إدارة، سكن، ثم علاقات اجتماعية.
لماذا يختار تونسيون بلجيكا بدل فرنسا؟
رغم القرب اللغوي والتاريخي مع فرنسا، يختار بعض التونسيين بلجيكا لأسباب عملية. المنافسة المهنية، الإيقاع الإداري، ونبرة النقاش العام حول الهجرة عوامل تلعب دورا في هذا القرار. الاختيار لا يعني بالضرورة تفضيلا مطلقا، بل بحثا عن توازن أقل إنهاكا في الحياة اليومية.
الجيل الثاني: هوية هادئة وأسئلة مختلفة
مع مرور الوقت، ظهر جيل جديد من التونسيين ولد أو تربّى في بلجيكا. هذا الجيل لا يعيش نفس أسئلة الهجرة الأولى، لكنه يواجه تحديات مختلفة تتعلق بالهوية والانتماء والفرص. الهوية هنا ليست صراعا دائما، بل مساحة تفاوض يومي بين ثقافتين، تدار غالبا بهدوء بعيدا عن الشعارات.
الجمعيات والحياة الاجتماعية
رغم أن الجالية التونسية ليست من أكثر الجاليات تنظيما على المستوى الجمعوي، إلا أن هناك مبادرات ثقافية واجتماعية تظهر حسب المدن والظروف. هذه الأنشطة تلعب دورا في الحفاظ على الروابط، دون أن تعزل التونسيين عن محيطهم الأوسع. الحياة الاجتماعية للتونسيين في بلجيكا غالبا مرنة وغير مغلقة، تتقاطع مع جاليات أخرى ومع المجتمع البلجيكي نفسه.
الجالية التونسية في بلجيكا ليست كتلة واحدة، ولا قصة واحدة. هي مسارات فردية تتقاطع، تتباعد، ثم تلتقي أحيانا. ما يجمعها هو القدرة على التكيّف، والبحث عن استقرار عملي أكثر منه رمزي.
إذا كنت فاعلا جمعويا، طالبا، أو صاحب مبادرة تخدم الجالية التونسية في بلجيكا، فإن ArabVoice يرحّب بمساهمتك. نبحث عن أصوات تعرف الميدان، وتكتب من الواقع، وتنقل التجارب كما هي.
للانضمام إلى طاقم التحرير أو اقتراح مساهمة، تواصل معنا عبر صفحة “اكتب معنا” وعرّفنا بنفسك وبفكرتك.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.