محتويات الموضوع
عند الحديث عن الجالية العراقية في بلجيكا، يصعب اعتماد المقاربات الكلاسيكية التي تستخدم عادة لوصف الجاليات العربية الأخرى. فالحضور العراقي هنا لم يتشكل نتيجة هجرة اقتصادية منظمة أو موجات عمل تقليدية. بل جاء في معظمه نتيجة مسارات لجوء طويلة ومعقدة، ارتبطت بسياقات سياسية وأمنية متقلبة داخل العراق. هذا المعطى وحده يفسر جانبا كبيرا من خصوصية التجربة العراقية داخل بلجيكا. كما يجعل فهمها مشروطا بالعودة إلى ظروف الوصول، لا فقط إلى واقع الاستقرار الحالي.
العراقيون في بلجيكا لا يجمعهم تاريخ وصول واحد ولا وضع قانوني موحد. فمنهم من استقر منذ أكثر من عقدين. ومنهم من لا يزال يعيش مرحلة انتظار طويلة بين طلب حماية، قرار رفض، أو وضع قانوني مؤقت. هذا التفاوت خلق جالية غير متجانسة من حيث التجربة، لكنها متقاربة من حيث الإكراهات اليومية.
لماذا أصبحت بلجيكا محطة استقرار للعراقيين؟
في كثير من الحالات، لم تكن بلجيكا الوجهة الأولى للعراقيين عند مغادرتهم بلدهم. عدد مهم منهم مرّ بدول أوروبية أخرى قبل أن يستقر هنا. إما بسبب تشديد سياسات اللجوء في بلدان مجاورة، أو بسبب اختلاف تقييم ملفات الحماية. بلجيكا، مقارنة بغيرها، وفرت في فترات معينة إمكانية إعادة دراسة الملفات. إلى جانب ذلك، هناك منظومة اجتماعية تسمح بالحد الأدنى من الاستقرار أثناء انتظار القرار. هذا عامل حاسم في مسار لجوء طويل نفسيا وإداريا. لهذا، ينظر كثير من العراقيين إلى بلجيكا باعتبارها بلد “إعادة بناء”، أكثر من كونها محطة عبور أو إقامة مؤقتة. هذا التصور ينعكس لاحقا على قرارات السكن، تعلم اللغة، ولمّ الشمل.
اللجوء العراقي: ملف معقد بطبيعته
تعد الملفات العراقية من أكثر ملفات اللجوء تعقيدا في بلجيكا. السبب لا يعود فقط إلى الوضع العام في العراق. بل يعود أيضا إلى الاختلاف الكبير بين المناطق، والسياقات الأمنية، والانتماءات الاجتماعية والسياسية. فالسلطات البلجيكية لا تتعامل مع “العراق” ككتلة واحدة. بل تقيّم المخاطر بشكل فردي، ما يجعل مسار اللجوء أطول وأكثر إنهاكا مقارنة بجنسيات أخرى. هذا الواقع يخلق حالة من عدم اليقين تطول لسنوات أحيانا. كما تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار النفسي، القدرة على التخطيط، وحتى على الاندماج الاجتماعي في مراحله الأولى.
ما بعد الإقامة: بداية صعبة وليست نهاية المطاف
الحصول على الإقامة يشكل نقطة تحول أساسية، لكنه لا يعني نهاية الصعوبات. فبعد مرحلة الانتظار، يصطدم كثير من العراقيين بواقع عملي أكثر تعقيدا. هناك صعوبات في البحث عن سكن خارج مراكز الاستقبال، التعامل مع سوق عمل شديد التنافس، وتعلم لغة جديدة في سن متقدمة أحيانا. هذا الانتقال من “وضعية طالب حماية” إلى “مقيم” يفرض إعادة ترتيب شاملة للحياة اليومية. كما يكشف الفجوة بين الاستقرار القانوني والاستقرار الاجتماعي الفعلي.
السكن والعمل: معادلة غير متوازنة
يمثل السكن أحد أكبر التحديات أمام العراقيين في سنواتهم الأولى خارج مراكز الإيواء. ارتفاع الأسعار، تحفظ بعض المالكين، وغياب الضمانات المالية يجعل الحصول على مسكن مستقر عملية معقدة، وغالبا طويلة. هذا الوضع يؤثر مباشرة على فرص العمل، لأن غياب عنوان ثابت أو استقرار سكني يحد من إمكانيات الاندماج المهني. في المقابل، يدخل كثير من العراقيين سوق العمل من بوابات ضيقة، عبر وظائف مؤقتة أو بعيدة عن تخصصهم الأصلي. عدم الاعتراف الفوري بالشهادات الأجنبية، إلى جانب حاجز اللغة، يفرض مسارا مهنيا تدريجيا، يقوم على الصبر وإعادة التكوين بدل القفز السريع نحو الاستقرار.
اللغة والاندماج: شرط غير معلن
تلعب اللغة دورا محوريا في تجربة العراقيين في بلجيكا. فهي ليست أداة تواصل فقط، بل مفتاح التعامل مع الإدارات، سوق العمل، والمدرسة. غير أن تعلم الفرنسية أو الهولندية في سياق ضغوط نفسية ومعيشية يجعل العملية بطيئة أحيانا، خصوصا لدى القادمين في سن متقدمة. الاندماج هنا لا يتم دفعة واحدة، بل يتقدّم خطوة بخطوة. كما يتأثر بعوامل متعددة، من بينها الاستقرار السكني، الوضع القانوني، والدعم الاجتماعي.
العائلة والجيل الثاني
يشكل لمّ الشمل هدفا مركزيا لدى جزء كبير من الجالية العراقية. كثيرون استقروا أولا بمفردهم، ثم حاولوا جلب أسرهم لاحقا، في مسار إداري طويل ومعقد. بعد الاستقرار العائلي، تظهر أسئلة جديدة تتعلق بالهوية، خاصة لدى الأبناء الذين ينشأون في مدارس بلجيكية ويتشربون ثقافة مزدوجة. تحاول العائلات العراقية الموازنة بين الحفاظ على اللغة والعادات من جهة، ومرافقة أبنائها في مسار اندماجهم من جهة أخرى، وهو توازن دقيق لا يخلو من التحديات.
جالية في طور التحول
خلال السنوات الأخيرة، تغير الخطاب داخل الجالية العراقية نفسها. لم يعد النقاش يتمحور فقط حول البقاء أو الحصول على الإقامة. بل انتقل إلى قضايا أكثر عمقا، مثل الاستقرار السكني طويل الأمد، تعليم الأبناء، والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية. هذا التحول يعكس انتقالا تدريجيا من منطق “النجاة” إلى منطق “العيش”.
في هذا الإطار، يظل النقاش حول الجالية العراقية في بلجيكا مفتوحا على زوايا وتجارب متعددة، يصعب الإحاطة بها من منظور واحد. ومن هنا، يحرص ArabVoice على إتاحة المجال لأصوات عراقية مقيمة في بلجيكا، ممن يواكبون الشأن العراقي في سياقه الاجتماعي والإنساني اليومي. الكتابة هنا ليست نقلا للأخبار بقدر ما هي مساهمة في توثيق الواقع وفهم التحولات. ولمن يرغب في مشاركة تجربة، تحليل، أو قراءة ميدانية، يمكن التواصل عبر صفحة «اكتب معنا».
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.