محتويات الموضوع
يعاني عشرات الآلاف من سكان شمال وغرب بروكسل منذ أشهر من إزعاج ليلي متواصل، بعدما بدأت الطائرات بالتحليق فوق أحيائهم عبر مسار جوي جديد. ويؤكد السكان أنهم لم يعودوا يحصلون سوى على ثلاث ساعات ونصف فقط من النوم المتواصل في الليالي التي تفعل فيها السلطات هذا المسار.
ليلة واحدة تكشف واقعا يوميا
خلال ليلة 29 إلى 30 يناير 2026، سجل مطار Brussels Airport آخر هبوط عند الساعة 01:30، عندما وصلت طائرة شحن تابعة لشركة DHL قادمة من ميلانو. وتظهر المعطيات أن الطائرة، التي يبلغ عمرها 33 عاما، حلقت على ارتفاع منخفض نسبيا.
بعد ذلك، لم ينتظر السكان طويلا. عند الساعة 04:48 صباحا، عادت الطائرات للتحليق فوق العاصمة، لتبدأ موجة متواصلة من الرحلات حتى الصباح. بين الرحلتين، لم ينعم السكان إلا بأقل من ثلاث ساعات ونصف من الهدوء.
مسار يتكرر ولا يهدأ
توضح جمعيات السكان أن هذه الليلة لا تمثل حالة استثنائية. فعندما تهب رياح شرقية، تعتمد الجهات المعنية مسار RNP 07 بشكل منتظم. ومع كل تفعيل، يتكرر السيناريو نفسه: طائرات تمر فوق الأحياء ذاتها، ليلا ونهارا، دون فترات راحة حقيقية.
ويعيش المتضررون في أحياء مولنبيك، كوكيلبيرغ، جيت، وسط بروكسل، لاكن، سكاربيك وهارين. ويقدر السكان عدد المتأثرين بنحو 450 ألف شخص داخل إقليم بروكسل.
أرقام رسمية تؤكد الخروقات
تفرض بروكسل إطارا قانونيا صارما لضجيج الطائرات، وتراقب Brussels Environment مستويات الصوت عبر شبكة رسمية من أجهزة القياس. عندما يتجاوز الضجيج 70 ديسيبل، تسجل الإدارة حادثة رسمية. بعد ذلك، تحتسب قيمة SEL التي تقيس إجمالي الطاقة الصوتية أثناء مرور الطائرة. في المنطقة المصنفة «0»، لا يسمح القانون بتجاوز 80 ديسيبل SEL.
تُظهر البيانات العمومية أن أكثر من 90% من الطائرات التي تستخدم مسار RNP 07 تتجاوز هذه الحدود، سواء خلال النهار أو في ساعات الليل. وتشدد الجمعيات على أن هذه الأرقام صادرة عن قياسات رسمية، ولا تعكس شعورا ذاتيا أو مبالغة إعلامية.
من مسألة تقنية إلى قضية سياسية
يقارن السكان وضع بروكسل بما يطبقه مطار أورلي في فرنسا، حيث تفرض السلطات قيودا صارمة على الرحلات الليلية بسبب الكثافة السكانية. في المقابل، يرى المحتجون أن السلطات تعامل بروكسل تدريجيا كممر جوي. كما تركز الإزعاج فوق الأحياء نفسها باسم التنافسية الاقتصادية.
بالنسبة لهم، لم يعد الأمر تقنيا فقط. فحرمان السكان من النوم يؤثر مباشرة على الصحة والكرامة، ويحوّل الضجيج إلى قضية سياسية تمسّ جودة الحياة في عاصمة أوروبية.
وعود مؤقتة تحولت إلى واقع دائم
عندما أعلنت الحكومة تفعيل مسار RNP 07، قدّم وزير التنقل Jean-Luc Crucke الإجراء على أنه مؤقت ومحدود، ومرتبط بأشغال صيف 2025 في المطار. وهو أيضا مخصّص للحالات الاستثنائية فقط.
غير أن الجمعيات تؤكد أن الاستخدام تغيّر تدريجيا. فالمسار انتقل من حل مؤقت إلى خيار شبه دائم، من دون تقييم صحي شامل. كما كان ذلك من دون استشارة حقيقية للسكان أو البلديات المعنية، ودون نقاش ديمقراطي حول مرور الطائرات فوق مناطق تتجاوز كثافتها 25 ألف نسمة في الكيلومتر المربع.
تعبئة غير مسبوقة في الأحياء المتضررة
بسبب تركّز المسارات الجوية، تمر الطائرات فوق المناطق نفسها مرات متتالية، ما يخلّف آثارا تراكمية على النوم، والتوتر، والصحة القلبية والنفسية. هذا الواقع دفع السكان إلى التحرك سريعا. في غضون أسابيع، جمعت عريضة رافضة لمسار RNP 07 نحو 4,000 توقيع من سكان متضررين مباشرة من الضجيج الجوي، في مؤشر واضح على تصاعد الغضب المحلي.
تبادل مسؤوليات بلا حلول
تتهم الجمعيات إدارة Brussels Airport باتباع سياسة توسّع تزيد من الضغط على الأحياء السكنية، عبر استقبال طائرات شحن قديمة ومزعجة. كما تحافظ على رحلات قصيرة جدا رغم توفر بدائل سككية أقل ضررا. في المقابل، أكدت إدارة المطار أنها لا تحدد المسارات الجوية، وأحالت المسؤولية إلى شركة الملاحة الجوية Skeyes. من جهتها، أوضحت الشركة أنها تكتفي بتطبيق التوجيهات المفروضة عليها، ورفضت التعليق على مضمون الرسالة المفتوحة.
بين هذا التراشق بالمسؤوليات، يبقى سكان شمال وغرب بروكسل أمام واقع واحد: ليال مقطّعة، وغضب يتزايد، وملف مرشح لمزيد من التصعيد في قلب العاصمة.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.