محتويات الموضوع
في بلجيكا، لا يحتاج الجزائري والمغربي إلى مناسبة خاصة ليلتقيان. يكفي أن يعيشا في الحي نفسه، أو يشتغلا في المكان ذاته، أو أن يتقاسما مقهى، متجرا، أو مدرسة أبنائهما. هذا التقارب لا تصنعه قرارات رسمية ولا خطابات هوية، بل تفرضه الحياة اليومية كما هي، ببساطتها وتكرارها. رغم اختلاف مسارات الهجرة بين الجاليتين، نشأ بينهما نوع من القرب العملي، قوامه العيش المشترك أكثر من أي سردية تاريخية.
مساران مختلفان… وواقع واحد
دخل المغاربة إلى بلجيكا أساسا عبر موجات هجرة عمالية منظمة في ستينيات القرن الماضي. جاء الجزائريون في فترات لاحقة، عبر الدراسة، العمل الفردي، أو التجمع العائلي. هذا الاختلاف في البداية لم يمنع تقاطع المسارات لاحقا داخل المجتمع البلجيكي. اليوم، يعيش أفراد الجاليتين في الأحياء نفسها، ويتعاملون مع الإدارات نفسها، ويواجهون تحديات متشابهة تتعلق بالسكن، العمل، والاندماج. الفارق التاريخي في الهجرة لم يتحول إلى حاجز يومي، بل بقي عنصرا في الخلفية.
في الأحياء: تقارب بلا حسابات
في كثير من المدن البلجيكية، يختفي التصنيف عندما تبدأ الحياة اليومية. الجار لا يسأل عن بلد الأصل بقدر ما يهتم بالاحترام المتبادل. الأطفال يلعبون معا دون تمييز، والآباء يلتقون في مناسبات عادية، بعيدا عن أي نقاش حول الانتماء. هذا القرب لا يحتاج إلى إعلان. هو نتيجة طبيعية للتعايش في فضاء واحد، حيث تفرض الظروف نوعا من التضامن غير المعلن.
العمل كمساحة التقاء
في أماكن العمل، لا يظهر الفرق بين جزائري ومغربي إلا في الاسم أو اللهجة. التقييم يرتبط بالأداء والالتزام، لا بالخلفية. كثيرا ما تتشكل علاقات زمالة قوية، لأن الطرفين يفهمان بعضهما ضمنيا، سواء من حيث الثقافة العامة أو التجربة المشتركة كمهاجرين أو أبناء مهاجرين. هذا الفهم المتبادل لا يبنى على نقاشات الهوية، بل على خبرة متقاربة في التعامل مع سوق العمل البلجيكي.
اللغة والعادات: تشابه عملي
تتقاطع العادات اليومية بين الجاليتين في تفاصيل كثيرة. الطعام، المناسبات العائلية، وطريقة التعامل داخل البيت تحمل قواسم مشتركة واضحة. حتى اللغة، رغم اختلاف اللهجات، تسمح بتواصل سلس في أغلب الحالات. هذا التشابه العملي يسهل التقارب، دون أن يلغي الخصوصيات. كل طرف يحتفظ بما يميزه، دون أن يشعر بالحاجة إلى التمايز المستمر.
بعيدا عن المقارنات الإعلامية
غالبا ما تضع الخطابات الخارجية الجاليتين في موقع مقارنة: من اندمج أكثر؟ من حضوره أقوى؟ لكن هذه الأسئلة نادرا ما تشغل الناس في حياتهم اليومية. الجزائري والمغربي في بلجيكا ينشغلان بما هو أبسط: الاستقرار، تربية الأبناء، وبناء مستقبل عملي. الحياة الواقعية لا تترك مساحة كبيرة للتنافس الرمزي، بقدر ما تفرض التعاون الضمني.
علاقات بلا صدامات كبرى
لا يعني هذا أن العلاقة مثالية دائما. كما في أي عيش مشترك، تظهر اختلافات في الرأي أو السلوك. لكن هذه الاختلافات تبقى في إطارها الطبيعي، ولا تتحول إلى توتر دائم. ما يجمع الطرفين في الواقع أكبر مما يفرقهما في الخطاب. مع الوقت، يتعامل كثيرون مع هذا القرب كأمر بديهي، لا يحتاج إلى تفسير.
تقارب فرضته الحياة
في النهاية، لم يخطط الجزائريون والمغاربة في بلجيكا لتقاربهم اليومي. الحياة فرضته. السكن، العمل، المدرسة، والإدارة خلقت مساحات التقاء متكررة، جعلت العلاقة طبيعية وغير متكلفة. هذا التقارب لا يلغي اختلاف المسارات، لكنه يضعها في حجمها الحقيقي. فالهجرة، مهما اختلفت بداياتها، تنتهي غالبا إلى واقع مشترك، يكتبه الناس في تفاصيلهم اليومية، لا في العناوين الكبرى.
لفهم هذا التقارب اليومي في سياقه الكامل، لا بد من النظر إلى التجربتين كل على حدة. فمسار الاستقرار والاندماج داخل الجالية الجزائرية في بلجيكا يحمل خصوصياته المرتبطة بالهجرة الفردية والدراسة والعمل، بينما تعكس تجربة الجالية المغربية في بلجيكا تاريخا أقدم من الحضور العمالي والاستقرار العائلي. ورغم اختلاف المسارات، تكشف الحياة اليومية كيف يلتقي المساران في واقع مشترك، يتشكل بعيدا عن المقارنات والخطابات الجاهزة.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.