محتويات الموضوع
لم تكن الهجرة المغربية إلى بلجيكا حدثا عشوائيا أو فرديا، بل انطلقت ضمن إطار رسمي واضح مع بداية ستينات القرن الماضي. فقد شكلت اتفاقية 1964 بين المغرب وبلجيكا نقطة التحول التي فتحت الباب أمام آلاف العمال المغاربة، ورسخت الأساس القانوني لتكون الجالية المغربية في بلجيكا، في سياق اقتصادي وسياسي خاص بالبلدين.
في سياق الهجرة المغربية إلى بلجيكا
بعد الحرب العالمية الثانية، وجدت بلجيكا نفسها في حاجة ملحة إلى يد عاملة لتعويض النقص الحاد في قطاعات حيوية، خاصة المناجم والصناعة الثقيلة. وفي المقابل، كان المغرب يعيش ضغطا اقتصاديا واجتماعيا كبيرا، مع محدودية فرص العمل وارتفاع نسب البطالة في المناطق القروية. هذا التقاطع في المصالح مهّد الطريق أمام اتفاقيات ثنائية لتنظيم الهجرة.
ما هي اتفاقية 1964؟
في سنة 1964، وقّع المغرب وبلجيكا اتفاقية رسمية لتنظيم استقدام العمال المغاربة. هدفت هذه الاتفاقية إلى:
-
تلبية حاجيات الاقتصاد البلجيكي من اليد العاملة.
-
ضمان إطار قانوني لهجرة العمال المغاربة.
-
تنظيم شروط العمل والإقامة بشكل مؤسساتي.
لم تكن الاتفاقية الأولى من نوعها في أوروبا، لكنها شكلت بالنسبة للمغرب محطة مفصلية في مسار الهجرة نحو الشمال.
لماذا اختارت بلجيكا العمال المغاربة؟
لم يكن الاختيار اعتباطيا. فقد رأت السلطات البلجيكية في العمال المغاربة:
-
قدرة جسدية عالية للعمل في ظروف صعبة.
-
استعدادا للهجرة والعمل بعيدا عن الأسرة.
-
قبولا بالعمل في قطاعات لا يقبل عليها العمال المحليون.
إضافة إلى ذلك، ساهمت التجارب السابقة مع عمال أجانب آخرين في توجيه بلجيكا نحو توقيع اتفاقيات منظمة بدل الهجرة العشوائية.
كيف كان يتم اختيار العمال في المغرب؟
كانت عملية الاختيار تتم عبر قنوات رسمية، غالبا بالتنسيق مع السلطات المغربية. يخضع المرشحون لفحوصات طبية واختبارات بدنية صارمة، قبل منحهم عقود عمل مؤقتة. بالنسبة لكثيرين، لم تكن هذه العقود مجرد فرصة عمل، بل بابا للهروب من الفقر وبداية مسار مجهول.
بين النص القانوني والواقع اليومي
رغم الطابع الرسمي للاتفاقية، اصطدم العمال المغاربة بواقع مختلف عند وصولهم إلى بلجيكا. ظروف العمل القاسية، السكن الجماعي، وصعوبة اللغة شكلت تحديات يومية. ومع ذلك، استمر التدفق، وتحولت الهجرة المؤقتة تدريجيا إلى استقرار طويل الأمد.
الذاكرة الإنسانية للاتفاقية
يتذكر كثير من أبناء الجيل الأول تلك اللحظة الفاصلة، حين تحولت ورقة إدارية إلى قرار غير مسار حياتهم بالكامل. لم يكن أحد يتحدث آنذاك عن “جالية” أو “اندماج”، بل عن عمل، أجر، ورسائل ترسل إلى الوطن تحمل أخبار الغربة وأحلام العودة.
من اتفاقية عمل إلى بداية جالية
مع مرور السنوات، تجاوزت اتفاقية 1964 هدفها الاقتصادي الأول. فقد ساهمت، دون تخطيط مسبق، في ولادة نواة الجالية المغربية في بلجيكا، التي ستعرف لاحقا لم الشمل العائلي، وبناء الأحياء، وتأسيس الجمعيات، والمساجد، والمدارس.
في السياق العام لذاكرة الهجرة
تعد هذه المرحلة جزءا أساسيا من المسار العام للهجرة المغربية إلى بلجيكا، حيث شكلت الاتفاقيات الرسمية نقطة الانطلاق، قبل أن تتشابك العوامل الإنسانية والاجتماعية في بناء تجربة جماعية امتدت لعقود. وتندرج هذه المحطة ضمن المواضيع التي يوثقها قسم ذاكرة الهجرة، والذي يسلط الضوء على مختلف مراحل تشكل الجالية المغربية، كما تتقاطع مع الصورة الأشمل التي يعالجها مقال تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج.
تحرير: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.