محتويات الموضوع
لم تكن المخاطر التي واجهها العمال المغاربة في بلجيكا مقتصرة على الأمراض المهنية فقط، بل شملت أيضا حوادث عمل متكررة وإصابات تركت آثارا جسدية ونفسية طويلة الأمد. خلف عجلة الإنتاج، وقعت حوادث صامتة شكلت جزءا مؤلما من تجربة الهجرة والعمل الشاق.
خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي، اشتغل عدد كبير من العمال المغاربة في قطاعات تصنف من بين الأكثر خطورة، وعلى رأسها المناجم والصناعة الثقيلة والبناء. هذه القطاعات كانت تعتمد على وتيرة عمل مرتفعة، في بيئات تفتقر أحيانا إلى شروط السلامة المعروفة اليوم. في ذلك الزمن، كان العامل مطالبا بالاستمرار في العمل مهما كانت الظروف.
طبيعة العمل ومخاطرها اليومية
داخل المناجم والمصانع، واجه العمال مخاطر متعددة: انهيارات جزئية، سقوط أدوات ثقيلة، آلات غير مؤمنة بشكل كاف، إضافة إلى العمل في فضاءات ضيقة وضعيفة الإضاءة. هذه الظروف جعلت وقوع الحوادث أمرا شبه يومي. كثير من العمال دخلوا هذه القطاعات دون تكوين كاف حول السلامة المهنية.
تراوحت الإصابات بين جروح وكسور وحروق، وصولا إلى إعاقات دائمة في بعض الحالات. بعض الإصابات بدت في البداية محدودة، لكنها تطورت مع الوقت بسبب غياب الراحة أو المتابعة الطبية المناسبة. بالنسبة لعدد من العمال، تحولت الإصابة إلى نقطة تحول أنهت مسارهم المهني مبكرا.
الصمت والخوف من فقدان العمل
عامل أساسي ساهم في تفاقم آثار الحوادث هو الصمت. كثير من العمال المغاربة تجنبوا التبليغ عن الإصابات خوفا من فقدان العمل أو اعتبارهم غير قادرين على الاستمرار. هذا الخوف جعل البعض يعود إلى العمل قبل الشفاء التام. الصمت لم يكن خيارا، بل نتيجة واقع هش.
حتى عند التبليغ، واجه بعض العمال صعوبات في الاعتراف بالإصابة كحادث عمل. الحواجز اللغوية، نقص المعرفة بالحقوق، وتعقيد المساطر الإدارية، كلها عوامل جعلت الحصول على التعويض مسارا شاقا. في حالات كثيرة، بقي العامل يتحمل تبعات الإصابة وحده.
الحوادث في الذاكرة الجماعية
في ذاكرة الجيل الأول، لا تذكر المناجم والمصانع دون استحضار قصص الحوادث. أسماء زملاء أصيبوا أو لم يعودوا إلى العمل، وأجساد تحمل آثار العمل الشاق. هذه الذاكرة الجماعية انتقلت شفهيا، وأصبحت جزءا من سردية الهجرة. هي قصص لم تكتب كثيرا، لكنها عاشت في تفاصيل الحياة اليومية.
رغم المخاطر، واصل كثير من العمال العمل بدافع الضرورة. إعالة الأسرة في المغرب، والالتزامات اليومية، جعلت السلامة أحيانا مسألة ثانوية. كان العمل، مهما كان خطيرا، أفضل من العودة بلا مورد. هذا التناقض يلخص جانبا كبيرا من تجربة العمال المغاربة في تلك المرحلة.
تكشف حوادث العمل والإصابات في صفوف العمال المغاربة جانبا آخر من ثمن الهجرة والعمل الشاق في بلجيكا، حيث تداخل السعي نحو الاستقرار مع مخاطر يومية جسدية. وتندرج هذه التجربة ضمن مواضيع قسم ذاكرة الهجرة، كما تتكامل مع المسار الأشمل الذي يعالجه مقال تاريخ الجالية المغربية في بلجيكا: من الهجرة إلى الاندماج حول التحولات العميقة التي عرفتها الجالية عبر العقود.
تحرير: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.