محتويات الموضوع
حين وصلت أولى موجات المهاجرين المغاربة إلى بلجيكا في ستينيات القرن الماضي، كان عدد النساء محدودًا جدًا. وجّهت الدولة البلجيكية الدعوات آنذاك إلى الرجال في المناجم والمصانع، بينما بقيت النساء في المغرب يتحملن مسؤولية الأسرة والانتظار الطويل. ومع بداية السبعينيات، التحقت النساء المغربيات في بلجيكا بأزواجهن عبر برنامج لمّ الشمل، وبدأن مرحلة جديدة من الهجرة العائلية. حملن معهن الوطن في القلوب، والعادات واللغة في الذاكرة، ووجدن أنفسهن أمام مجتمع يختلف تمامًا عن الذي عرفنه.
حياة في الظلّ وصبر لا يُرى
عاشت الكثير من النساء المغربيات في سنواتهن الأولى بالمهجر عزلة ثقيلة. لم تكن أغلبهن يتقنّ الفرنسية أو الهولندية، وكان التواصل مع الجيران أو المؤسسات تحديًا يوميًا. ومع ذلك، واجهن تلك الصعوبات بالصبر والإصرار. كنّ يدبّرن شؤون البيت بإمكانيات محدودة، ويحمين أبناءهن من الانقطاع عن الجذور المغربية. وهكذا استطعن تحويل الغربة إلى استقرار، والمنازل المتواضعة إلى فضاءات للدفء العائلي.
“كنا نعيش بين لغتين وثقافتين، نحاول ألا نضيع بينهما، وألا نسمح لأطفالنا أن يضيعوا أيضًا.”
— لطيفة بنعيسى، مهاجرة مغربية إلى بروكسل سنة 1978
من البيت إلى فضاء العمل والمشاركة
مع مرور الوقت، بدأت النساء المغربيات في بلجيكا يخرجن من دائرة الصمت نحو المشاركة الفعلية. التحقت بنات الجيل الأول بالمدارس والجامعات خلال التسعينيات، ثم دخلن سوق العمل بثقة. وافتتحت نساء من الجالية جمعيات تهدف إلى تمكين المرأة، وتنظيم دورات للتكوين والتعلم ومحو الأمية. كما شاركن في المبادرات الاجتماعية التي تعزز الاندماج الثقافي وتدعم الأسر المغربية. بهذه الخطوات، انتقل حضور المرأة من حيز المتابعة إلى مجال التأثير والمبادرة.
الأم المغربية… مدرسة الهوية والتربية
حافظت الأمهات المغربيات على دورهن التربوي رغم كل الصعوبات. علّمن أبناءهن اللغة العربية والأدعية والأمثال المغربية، وربينهم على احترام الأصل والانفتاح على الآخر. في المطبخ، وفي قصص الليل، وفي طقوس الأعياد، بنين جسرًا بين الوطنين. تلك التفاصيل الصغيرة حفظت التوازن بين الانتماءين المغربي والبلجيكي، وأنتجت جيلًا يعرف جذوره ويؤمن بقدرته على الاندماج.
الجيل الجديد… ثمرة الجهود الأولى
اليوم، تشارك النساء المغربيات في بلجيكا في الحياة العامة بكل المجالات. نجد بينهن الممرضات والمعلمات والأستاذات الجامعيات، والسياسيات والناشطات في الجمعيات. أسسن مشاريع صغيرة، وظهرن في الإعلام كأصوات تمثل الجالية وتدافع عن قضاياها. وهكذا أصبحت بنات العاملات الأميات رموزًا للنجاح والمثابرة.
“أمي لم تتعلم القراءة، لكنها علمتني أن أكون قوية.”
— سمية الإدريسي، ناشطة ثقافية من أنتويرب
من الجذور إلى الجسور
تجسّد النساء المغربيات في بلجيكا اليوم حلقة وصل حقيقية بين المجتمعين المغربي والبلجيكي. يشاركن في المبادرات الثقافية، ويقدن مشاريع اجتماعية تربط بين ضفّتي المتوسط. كما يساهمن في تصحيح الصورة النمطية عن الجالية المغربية، وفي إبراز قيم الانفتاح والتعدد. قصصهن اليومية تبرهن أن الهجرة ليست مجرد انتقال مكاني، بل رحلة إنسانية نحو الاعتراف والكرامة.
بقلم: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.