محتويات الموضوع
المغاربة في بلجيكا لم يقتصر حضورهم على الهجرة والعمل، بل سجل التاريخ أيضًا مشاركتهم البطولية في الدفاع عن الحرية خلال الحرب العالمية الثانية. ففي 14 و15 ماي 1940، وقف التيرايور المغاربة ضمن الفرقة المغربية الأولى في قلب معركة جومبلو (Gembloux)، وواجهوا الجيش النازي بأجسادهم وعتادهم البسيط، ليكتبوا واحدة من أروع صفحات التضحية في تاريخ المقاومة ضد الفاشية.
السياق التاريخي
عندما اجتاح الألمان بلجيكا وفرنسا في ماي 1940، دفعت فرنسا بجنودها الاستعماريين من شمال إفريقيا إلى الخطوط الأمامية. كان المغاربة يشكلون العمود الفقري للفرقة المغربية الأولى، إلى جانب بعض الوحدات الجزائرية والتونسية. تمركزت القوات المغربية بين إرناج وجومبلو على خط السكة الحديدية، وهو موقع استراتيجي حال دون التقدم السريع للدبابات الألمانية.
يوم 14 ماي: الصمود الأول
مع بزوغ الفجر، وجدت الكتائب المغربية نفسها وجهاً لوجه مع الفرقة المدرعة الثالثة والرابعة التابعة للفيرماخت. ورغم القصف الجوي والمدفعي، تمكن المغاربة من صد هجمات متتالية على مواقعهم. في جبهة إرناج، أوقف جنود الـ2 RTM عمودًا من 40 دبابة ألمانية، بينما خاضت كتيبة 1 RTM قتالًا شرسًا ضد موجات من العربات المصفحة والمشاة.
“معركة جومبلو أظهرت أن الجنود المغاربة لم يكونوا مجرد قوات استعمارية، بل شركاء حقيقيون في الدفاع عن الحرية الأوروبية، دفعوا حياتهم ثمناً في مواجهة النازية.”
– المؤرخ البلجيكي Jean-Philippe Leclercq في دراسة حول معارك 1940
يوم 15 ماي: هجمات ومعارك متجددة
عاد الألمان صباح اليوم الموالي بهجوم واسع النطاق. قصفت مواقع 3/1 RTM بشكل مكثف، لكن الجنود المغاربة انسحبوا بخط منظم إلى خط السكة الحديدية وواصلوا القتال. عصراً، شنّ 3/2 RTM بدعم من دبابات 35e BCC هجومًا معاكسًا أعاد الوصل بين وحدات مغربية مهددة بالانعزال. مع حلول المساء، بقي الخط المغربي صامدًا رغم الخسائر الثقيلة.
الخسائر والتضحيات
دفعت الفرقة المغربية الأولى ثمنًا باهظًا. تشير السجلات إلى سقوط مئات القتلى المغاربة في جومبلو، بينهم ما لا يقل عن 168 جنديًا مغربيًا مدفونين بمقبرة شاستر إلى جانب مئات الفرنسيين والجزائريين والتونسيين. وبحسب تقديرات، فإن عدد الضحايا المغاربة في معركة جومبلو يتراوح بين 200 و400 جندي، ضمن مجموع يقارب 15 ألف مغربي فقدوا حياتهم على التراب الأوروبي خلال الحرب العالمية الثانية.
التكريم والذاكرة
رغم الانسحاب العام بسبب انهيار جبهات أخرى، ظل صمود المغاربة في جومبلو انتصارًا تكتيكيًا سجله المؤرخون. اليوم، تخلد بلجيكا وفرنسا هذه التضحيات عبر مقابر عسكرية ونصب تذكارية، من بينها “شارع الفرقة المغربية الأولى” في جومبلو. كما يحتضن متحف معركة جومبلو – شاستر آثارًا ووثائق تروي قصة الجنود المغاربة الذين قاتلوا دفاعًا عن الحرية.

معركة جومبلو ليست مجرد صفحة منسية في التاريخ، بل رمز على أن المغاربة ساهموا بدمائهم في تحرير أوروبا من النازية. هذه الذاكرة المشتركة تستحق أن تُروى للأجيال القادمة كي تظل مثالاً على التضحية والوحدة في وجه الاستبداد.
شاركونا آراءكم: هل تعتقدون أن تضحيات المغاربة في الحروب العالمية نالت ما يكفي من الاعتراف في أوروبا؟ ننتظر تعليقاتكم، ونتفاعل معكم دائمًا.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.