محتويات الموضوع
بدأ حضور المغاربة في الاقتصاد البلجيكي منذ ستينيات القرن الماضي، بعد توقيع اتفاقيات رسمية بين الرباط وبروكسل لتوظيف العمال المغاربة في المناجم والمصانع. احتاجت بلجيكا حينها إلى يد عاملة تعيد تشغيل قطاعاتها الصناعية بعد الحرب، فوجدت في العامل المغربي مثالًا للجد والانضباط. بمرور الوقت، تجاوز أبناء الجالية دورهم كيدٍ عاملة فقط. فقد قرروا، بوعي وإصرار، الانخراط في مشاريع جديدة داخل المجتمع البلجيكي. وهكذا بدأ التحوّل من العمل اليدوي إلى المشاركة الاقتصادية الفعلية.
“لقد بدأنا تحت الأرض، واليوم نرى أبناءنا يملكون المحلات والشركات. لم نكن نحلم بذلك يومًا.”
— شهادة أحد عمال المناجم المتقاعدين من لييج
البدايات: الهجرة العمالية وصعوبات الاستقرار
في مدن مثل شارلروا ولييج وبوران، عاش العمال المغاربة في مساكن بسيطة قريبة من المناجم. كانت ظروف العمل قاسية، ومع ذلك واصلوا كفاحهم في صمت. كما ساعدهم التضامن فيما بينهم على تجاوز الغربة وصعوبات المناخ. تدريجيًا، بدأ الجيل الثاني من أبناء المهاجرين يغيّر النظرة إلى الهجرة. فبدل التفكير في العودة إلى المغرب، سعى هذا الجيل إلى بناء حياة مستقرة في بلجيكا، مع الحفاظ على الجذور الثقافية والدينية.
التحول نحو التجارة والخدمات
خلال الثمانينات، اختار عدد من المغاربة خوض تجربة التجارة الحرة. فظهرت المخابز ومحلات المواد الغذائية والمطاعم في الأحياء ذات الكثافة المغاربية. لم تكن تلك المتاجر مجرد مصدر دخل، بل أصبحت فضاءً للقاء بين الثقافتين المغربية والبلجيكية. ومع مرور الأعوام، توسعت المشاريع لتشمل قطاعات النقل والبناء والخدمات المنزلية. كما ساهمت هذه الأنشطة في خلق فرص عمل جديدة داخل الجالية نفسها. وفق تقديرات اتحادات التجارة المحلية، يبلغ عدد المقاولين من أصل مغربي في بلجيكا أكثر من 12 ألف شخص، وهو رقم يعكس حجم الحضور الاقتصادي المتزايد.
نماذج من التحول الاقتصادي للجالية المغربية
تبرز عدة قصص فردية تعكس هذا التطور الواضح.
-
محمد التازي بدأ مسيرته عاملاً في مصنع الحديد بمدينة لييج، ثم أسّس سلسلة متاجر غذائية تحمل اسم Atlas Market، وأصبحت من أبرز علامات الجالية المغربية.
-
لطيفة العشيري من بروكسل أسست شركة تنظيف صغيرة تحوّلت إلى مؤسسة تُشغّل عشرات النساء من أصول مهاجرة.
-
عبد السلام الزروالي من أنتويرب استثمر خبرته التقنية في قطاع البناء والطاقة المتجددة، ونجح في توقيع عقود مع مؤسسات بلجيكية كبرى.
تُظهر هذه النماذج أن المغاربة لم يكتفوا بالاندماج في سوق العمل، بل اختاروا المساهمة الفعلية في تحريكه. وبذلك أصبحوا جزءًا أساسيًا من النسيج الاقتصادي البلجيكي.
جيل جديد في زمن الرقمنة
مع بداية الألفية الثالثة، ظهر جيل ثالث من المغاربة البلجيكيين يمتلك روح المبادرة والابتكار. أطلق العديد منهم مشاريع رقمية في التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل والتسويق عبر الإنترنت. كما ساهم آخرون في مجالات التكنولوجيا والطاقة النظيفة. في بروكسل، مثلًا، أسّس الشاب يونس القاسمي منصة رقمية تربط بين المطاعم الحلال وخدمات التوصيل، مما جعلها تنتشر بسرعة في أحياء مولنبيك وأندرلخت.
“أريد أن أُثبت أن الشاب المغربي قادر على النجاح في أوروبا، ليس فقط بيديه، بل بفكرِه أيضًا.”
— يونس القاسمي، رائد أعمال رقمي من بروكسل
من الذاكرة العمالية إلى الريادة الاقتصادية
تُظهر تجربة المغاربة في الاقتصاد البلجيكي كيف تحوّل حضورهم من عنصر مساعد إلى شريك في التنمية. فقد ساهموا في بناء الاقتصاد البلجيكي، ثم واصلوا التطور داخله بروح المبادرة والمسؤولية. اليوم، تُعتبر المتاجر والمطاعم والمقاولات المغربية جزءًا طبيعيًا من الحياة الاقتصادية في البلاد. فهي تجمع بين روح العمل المغربي والدقة البلجيكية، وتشكل جسرًا ثقافيًا وإنسانيًا بين مجتمعين. وهكذا تحوّلت ذاكرة المناجم إلى ذاكرة نجاح اقتصادي متواصل، عنوانها الإصرار والطموح والقدرة على التكيّف مع الزمن.
بقلم: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.