محتويات الموضوع
بعد الحرب العالمية الثانية، احتاجت بلجيكا إلى طاقة تُعيد تشغيل مصانعها. لذلك، فتحت أبواب المناجم واستقدمت عمالًا من الخارج. في هذا المشهد برزت قصة العمّال المغاربة في مناجم بلجيكا. هؤلاء لم يكتفوا بعمل شاق في الأعماق؛ بل نسجوا حضورًا اجتماعيًا وثقافيًا ترك أثرًا طويلًا في المدن المنجمية.
خلفية تاريخية: “معركة الفحم”
مع بداية إعادة الإعمار، اندفع الطلب على الفحم لتموين الحديد والإسمنت والنسيج. أولًا، وقّعت بلجيكا اتفاقًا مع إيطاليا عام 1946 لإرسال عمّال مناجم. ثم غيّرت كارثة مارسينال (Bois du Cazier) سنة 1956 المعادلة؛ إذ توفي 262 عاملًا، من بينهم 136 إيطاليًا، فتراجع الإمداد الإيطالي. نتيجة لذلك، بحثت بلجيكا عن مصادر بديلة: إسبانيا والبرتغال واليونان، ولاحقًا المغرب وتركيا. جدير بالذكر أنّ حضور المغاربة سبق الاستقدام المنظّم؛ تُشير دراسات تاريخية إلى أنّ أكثر من ألف مغربي عملوا في المناجم سنة 1930.

توقيع الاتفاقية وبداية التوظيف المغربي
لبناء مسار واضح، افتتحت السلطات البلجيكية مكتب توظيف في الدار البيضاء سنة 1963. وبعد عام واحد، وُقّعت اتفاقية 17 (وتذكر مصادر 18) فبراير 1964 التي نظّمت تشغيل العمّال المغاربة في بلجيكا. منذ ذلك الحين، بدأت الدفعات تصل بوتيرة معقولة. كما نسّقت الإدارات النقل والسكن والرعاية الصحية، وربطت العمّال بمساكن قريبة من مواقع العمل لتسهيل الاندماج المهني منذ اليوم الأول.
جدول زمني مختصر (1946–1974)
-
1946: اتفاقية العمل مع إيطاليا وإرسال عمّال مناجم إلى بلجيكا.
-
1956: كارثة مارسينال/Bois du Cazier وتوقّف الإمداد الإيطالي.
-
أواخر الخمسينيات: تجارب استقدام من إسبانيا والبرتغال واليونان، ثم المغرب وتركيا.
-
1963: افتتاح مكتب توظيف بلجيكي في الدار البيضاء تمهيدًا للاستقدام المنظّم.
-
فبراير 1964: توقيع الاتفاقية المغربية–البلجيكية وانطلاق التشغيل رسميًا.
-
منتصف/أواخر الستينيات: تزايد عدد العمّال المغاربة في الصناعة الثقيلة، مع حضور ملحوظ في الأحواض المنجمية.
-
1967 وما بعده: بداية التراجع مع أزمة الفحم وتحوّل البنية الصناعية.
-
أغسطس 1974: إيقاف رسمي لاستقدام العمالة غير الأوروبية غير المؤهلة؛ نهاية الموجة الكبرى.
أين اشتغلوا؟
تركّز العمل في أحواض رئيسية، أبرزها:
-
لييج وضواحيها الصناعية.
-
شارلوروا والسنتر بما في ذلك موقع Bois du Cazier.
-
بوريناج–مونس غرب والونيا.
-
ليمبورغ (الكمبين) في الشمال الشرقي.
بهذه الخريطة صنع العمّال شبكة استقرار حول المدن المنجمية وطرق السكك والمحطات.

Bois du Cazier، مارسينال – هياكل رأس البئر التراثية في موقع المناجم البلجيكي (صورة حديثة)
يوميات المنجم: العمل والحياة خارج النفق
في الأعماق، واجه العمّال حرارة ورطوبة وغازات قابلة للاشتعال. كما فرضت المناوبة الطويلة إيقاعًا قاسيًا. ومع ذلك، بنوا خبرة مهنية سريعة، واعتمدوا على الانضباط والتآزر. فوق الأرض، وفّرت الشركات مساكن قريبة، فظهرت “أحياء منجمية” دعمت التضامن اليومي.
«لم نغادر المغرب بحثًا عن مغامرة عابرة؛ جئنا نطلب عملاً كريمًا. كان المنجم قاسيًا، لكنه فتح لنا بابًا لحياة جديدة.»
— شهادة من عامل مغربي سابق في أحواض الفحم البلجيكية
على المستوى الأسري، جاء كثيرون بمفردهم في البداية. لاحقًا، فعّلوا لمّ الشمل؛ التحقت الزوجات والأبناء، فتبدّل الهدف من عمل مؤقت إلى استقرار فعلي. بالتالي، وجد أبناء الجيل الأول طريقهم إلى المدارس وسوق الشغل، وبدأ الحضور المغربي يترك بصمته في المجالين الاجتماعي والثقافي.

مساكن عمّالية قرب المناجم في بلجيكا – الستينيات
نهاية حقبة وتحول ديموغرافي
مع تراجع الفحم وصعود بدائل الطاقة، خسرت المناجم مكانتها تدريجيًا. تبعًا لذلك، انتقل جزء من العمّال إلى البناء والمعادن والنسيج. ومع أنّ الاستقدام توقّف في 1974، فإنّ الجالية المغربية استقرّت واستثمرت رأس مالها الاجتماعي. اليوم، تُكرّم فعاليات رسمية ومدنية مساهمة هؤلاء، وتستعيد المتاحف الصناعية حكايتهم ضمن رواية بناء بلجيكا الحديثة.
بقلم: عادل الزوبري
هل تحتفظون بصور عائلية أو وثائق من زمن المناجم؟ شاركونا شهاداتكم في التعليقات. نقرأ كل مشاركة ونعمل على إبراز القصص التي تُغني ذاكرة الجالية.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.