محتويات الموضوع
في الثمانينيات، كانت الطفولة المغربية في بلجيكا لوحة نابضة بالحياة. بين دفاتر المدرسة البلجيكية في الصباح وصخب الشارع المغربي في المساء، عاش أبناء المهاجرين تجربة مزدوجة صنعت منهم جسورًا بين لغتين وثقافتين.
بين الفرنسية والعربية… لغتان تصنعان الهوية
كان الطفل المغربي يبدأ يومه بعبارة “Bonjour Madame” في الفصل، وينهيه بنداء “واا مِّي، واش العشا واجد؟” في البيت. هذا التداخل اللغوي لم يكن مجرد اختلاف في الكلام، بل كان رحلة هوية تتكوّن بين لغة الأم المليئة بالعاطفة ولغة المدرسة التي تفتح الأبواب أمام المستقبل.
“كنا كنقراو بالفرانساوية فالنهار، وبالدارجة فالزنقة، وبالعصا فالدار… ومع ذلك طلعنا بخير الحمد لله!”
— أحد أبناء الجالية المغربية في بلجيكا يضحك وهو يسترجع ذكريات الثمانينيات.
الشارع… ملعب الحرية ودروس الحياة
بعد المدرسة، كان الحي البلجيكي يتحول إلى عالم من المتعة والاكتشاف. كرة من جوارب قديمة، سباق دراجات متهالكة، وصرخات فرح تمتد حتى المساء. اللعب في الشارع لم يكن ترفيها فقط، بل تدريبا على الصبر والمشاركة واحترام الآخرين. في زمن بلا هواتف ولا شاشات، كانت الضحكات تملأ المساء وتبقى في الذاكرة.
البيت المغربي في قلب أوروبا
في الداخل، كان عبق الطاجين يملأ المطبخ، والمذياع يصدح بأغاني أم كلثوم. عطلة نهاية الأسبوع كانت موعدًا مقدسًا للعائلة، حيث يُروى حنين “البلاد” كما لو أن العودة قريبة. بين تلك الأحاديث والقصص، وُلدت جذور الانتماء الأول لأبناء الجيل المغربي البلجيكي.
جيل صنع التوازن بين عالمين
ذلك الجيل لم يكن يعيش انقسامًا، بل ثراءً مضاعفًا. تعلم الانفتاح في المدرسة، وحافظ على الجذور داخل البيت. حمل في قلبه شوارع الناظور كما حفظ خرائط بروكسل. واليوم، حين يتذكر تلك الأيام، يبتسم لأن تلك الطفولة صنعت منه مواطنا متوازنًا بين الشرق والغرب.
تظل الطفولة المغربية في الثمانينيات فصلًا من الذاكرة الجماعية، يربط جيلاً كاملًا بعطر الوطن ودفء الجالية المغربية. جيل لم يكن يعلم أنه، وهو يركض في شارع بلجيكي صغير، كان يرسم ملامح أول اندماج حقيقي بين ثقافتين.
لمزيد من القصص التي توثّق مسيرة الجالية المغربية في بلجيكا، يمكنك قراءة قسم ذاكرة الهجرة
بقلم: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.