محتويات الموضوع
في ستينيات القرن الماضي، حين بدأت الهجرة المغربية نحو بلجيكا، لم يكن الهاتف وسيلة متاحة، ولا البريد الإلكتروني موجودًا. كانت الرسائل بين المغرب وبلجيكا هي الحبل الوحيد الذي يربط العامل المهاجر بعائلته البعيدة. لكنّ تلك المراسلات لم تكن بسيطة كما قد تبدو اليوم. فمعظم العمال المغاربة كانوا أميّين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة. كانت الرسالة بالنسبة لهم مشروعًا معقدًا، يحتاج إلى من يكتبها، ومن يقرأها، ومن يوصلها، ثم إلى انتظار طويل قد يمتد لشهر أو أكثر.
حين تصبح الكتابة مهنة لها زبائن
كان عدد من المهاجرين القادرين على القراءة والكتابة قليلًا جدًا، لا يتجاوز الواحد في المئة. لذلك تحولت مهارة الكتابة إلى مهنة غير رسمية. في نهاية كل أسبوع، كان بعض المتعلمين يجلسون في المقاهي أو قرب محطات القطار في بروكسل وشارلروا، يحررون عشرات الرسائل مقابل أجر بسيط.
يقول خليل الزكندي، أحد المهاجرين المتعلمين:
“كنت يوم السبت أكتب أزيد من 20 رسالة في اليوم، ومع كل رسالة قصة جديدة مؤثرة.
ويوم الأحد أقرأ الرسائل التي توصل بها العمال من المغرب، ومعظمها تحمل خبر وفاة أو مشكل عائلي.
كانت كتابة الرسائل وقراءتها مهنتي الثانوية، واتخذت مقهىً بجانب Gare du Midi مقرًا لعملي، حيث كنت أقضي اليوم كله بين الكلمات والدموع.”
الكاسيط… الرسالة التي تُسمع بدل أن تُقرأ
بعض العمال كانوا يفضّلون عدم إملاء تفاصيلهم الخاصة على غيرهم، خاصةً في المواضيع العائلية الحساسة. ولهذا ظهر حلّ بديل في تلك الفترة: تسجيل رسالة صوتية على شريط كاسيط في محل تسجيلات بلجيكي. كانت هذه الخدمة مكلفة، لكنها تسمح للعامل بالتعبير بصوته الحقيقي، وإرسال نبرات الحنين بدل الكلمات المكتوبة. وعندما يصل الشريط إلى المغرب، كانت العائلة تُشغّله في جلسة هادئة لتسمع صوت ابنها المهاجر كما لو أنه يجلس بينهم.
رسائل من المغرب… تُقرأ مدفوعة الأجر
في الجهة الأخرى، كانت الرسائل القادمة من المغرب تصل بعد رحلة طويلة قد تمتد لأكثر من شهر. كثير من العمال لم يكونوا قادرين على قراءتها، فيلجأون إلى أحد زملائهم المتعلمين أو إلى شخص يتخذ من قراءة الرسائل مهنة مقابل أجر. كان هذا الشخص يقرأها بصوت مرتفع للعامل في زاوية مقهى أو سكن جماعي، لتتحول لحظة القراءة إلى لحظة صمت عاطفي ثقيل، تختلط فيها الفرحة بالدموع.
وفي المغرب… الرسالة تجمع العائلة كلها
عندما تصل الرسالة من بلجيكا، يكون الأب أول من يعلن الخبر بفخر: “جات الرسالة من ولدنا”. سرعان ما تعمّ الفرحة البيت، وتبدأ الأم في تحضير مأدبة عشاء تجمع العائلة بأكملها في جوّ مفعم بالدفء والحنين. بعد الأكل، تُفتح الرسالة بعناية وكأنها كنز. يقرأ الأب أو أحد الأبناء بصوت عالٍ كلمات المهاجر التي تبدأ عادة بالتحية والسؤال عن الأحوال. وغالبًا ما يوجّه المرسل تحية خاصة لكل فرد من أفراد الأسرة بالاسم، مما يضفي على القراءة طابعًا شخصيًا مؤثرًا. أما حين يُنسى أحد الأسماء، فيأخذ الأمر بُعدًا عاطفيًا آخر؛ إذ يشعر من لم يُذكر بشيء من العتاب أو الغيرة المحببة، وكأن غيابه عن السطور يعني غيابه عن القلب. كانت تلك التفاصيل الصغيرة تجعل من كل رسالة حدثًا ينتظره الجميع بشغف كبير.
الطوابع… وجوه الوطن على الورق
كانت الطوابع البريدية جزءًا من الحكاية. تلك التي تحمل صورة الملك أو رموز المغرب تلتقي بطوابع بلجيكية عليها صور المناجم والقطارات. كانت الرسائل تحمل في ظاهرها رموز الوطنين، وفي داخلها نبض قلوب لا تعرف المسافة.
ذاكرة لا تصفرّ مع الزمن
اليوم، اختفت المراسلات الورقية تقريبًا، وحلّت محلها الشاشات والرسائل الفورية. ومع ذلك، لا تزال بعض الأسر المغربية في المغرب وبلجيكا تحتفظ بتلك الرسائل القديمة في صناديق خشبية أو بين الكتب. كل رسالة صفراء منها تحمل بصمات الأصابع التي كتبتها والدموع التي بللتها، لتبقى وثائق حنين تروي فصلاً من تاريخ الهجرة المغربية بلغة الورق والصوت.
بقلم: عادل الزوبري
هل ما زلتم تحتفظون برسائل أو كاسيطات من آبائكم أو أجدادكم المهاجرين؟
شاركونا قصصكم في التعليقات، فكل رسالة قديمة تحمل حكاية لا يجب أن تُنسى.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.