محتويات الموضوع
كانت الحرف المغربية في بلجيكا جزءا أساسيا من التحول الكبير الذي بدأ بعد نهاية مرحلة العمل في المناجم. حين أغلقت الأبواب الحديدية تحت الأرض، وجد الآلاف من العمال المغاربة أنفسهم أمام سؤال كبير: ماذا بعد الفحم؟ وقد جاءت الإجابة من الشوارع والورش الصغيرة، حيث بدأت أولى الحرف التي صنعت مسارا جديدا للجالية المغربية.
من ظلام المناجم إلى نور الورش الصغيرة
في الستينيات والسبعينيات، دخل الكثير من المغاربة مناجم شارلوروا ولييج وهينو بحثا عن مستقبل أفضل. ومع تراجع صناعة الفحم، لم يعد العمل تحت الأرض ممكنا. كان على رجال بأكتاف متعبة أن يبدأوا من الصفر فوق الأرض. لذلك لجؤوا إلى مهن بسيطة، لكنها فتحت لهم بابا للعيش بكرامة.
أول تلك المهن كانت مرتبطة بالحرف اليدوية التي عرفوها في المغرب، مثل الحلاقة، إصلاح الملابس، الجزارة التقليدية، والميكانيك. ورغم بساطة الأدوات، كانت الإرادة قوية، فهذه المهن أنقذت عائلات كاملة من البطالة والفقر.
الخياطة… بداية الاستقلال الاقتصادي داخل البيوت
بعد توقف المناجم، دخلت الخياطة بقوة إلى بيوت الجالية. كانت الزوجات والأمهات يتولين العمل من داخل المنزل، بينما يساعد الأبناء في ترتيب القماش والخيوط. الخياطة كانت أول “مهنة نظيفة” تمنح دخلا مستمرا في زمن صعب.
كانت بعض النساء يخطن جلابيب وقفاطين، بينما أخريات يقمن بإصلاح ملابس الجيران. ومع الوقت، تحولت هذه البيوت إلى ورش صغيرة ساهمت في إعالة أسر كثيرة وبناء جزء من الطبقة المتوسطة المغربية البلجيكية.
مكينة سنجر كانت بحال الذهب… هي اللي وقّفات الدار فذاك الوقت”، تقول امرأة مغربية وهي تسترجع تلك الأيام.
الحلاقة… مهنة تجمع الناس وتخلق هوية
مع نهاية حقبة المناجم، ظهرت محلات حلاقة الحي كأحد الحلول السريعة. كان الحلاق المغربي يعرف كيف يحول كرسيّا واحدا إلى مصدر رزق. المحل كان بسيطا، لكنه كان مكانا يجتمع فيه المغاربة لتبادل الأخبار وتخفيف هموم الغربة.
إضافة إلى ذلك، شكلت الحلاقة مدرسة أولى لأبناء الجيل الجديد، حيث تعلم كثير منهم الانضباط والعمل الحر، قبل أن يفتحوا محلات أكبر في بروكسل، شارلوروا، ولييج.
تعلم حرفة بوك لا يغلبوك، أول جملة تذكرتها بعدما فقدت عملي في منجم هينو، تفكرت الأيام اللي كنت كنعاون الوالد ديالي في الأسواق الأسبوعية كنحسنو لعباد الله، من هنا جات فكرة نفتح محل للحلاقة. يقول عبد السلام أحد عمال المناجم
الميكانيك… مهنة الشدة التي لم تغب عن الحي
الميكانيك كان من أكثر الحرف التي امتهنها المغاربة بعد المناجم. المهارة اليدوية التي اكتسبوها في العمل الشاق ساعدتهم على فهم المحركات وإصلاح الأعطال. كانت الورش صغيرة، غالبا في مرآب ضيق خلف البيت، لكن صوت المطرقة ورائحة الزيت كانا يرمزان لبيت يتحرك ويصمد.
الميكانيكي لم يكن يصلح السيارات فقط، بل كان يدا تساعد الجيران، وصوتا مألوفا في الحي. ومع الوقت، أصبحت هذه الورش مؤسسات معروفة لها زبناء ثابتون.
الطبقة المتوسطة التي بدأت من ورشة صغيرة
هذه الحرف لم تكن مجرد أساليب لتجاوز أزمة اقتصادية، بل كانت نقطة انطلاق نحو تكوين طبقة متوسطة مهاجرة حافظت على استقلالها المالي. كثير من الأسر المغربية بنت مستقبلها بفضل هذه المهن التي بدأت بإبرة، مقص، مقود دراجة مهترئة، أو مفتاح ميكانيكي صغير.
الحرف الأولى بعد زمن المناجم ليست مجرد ماضٍ، بل فصل مهم من ذاكرة الجالية المغربية في بلجيكا. ما هي الحكايات التي تتذكرها من زمن الورش الصغيرة؟ شاركنا قصتك في التعليقات.
لمزيد من القصص التي توثّق مسيرة الجالية المغربية في بلجيكا، يمكنك قراءة قسم ذاكرة الهجرة
تحرير: عادل الزوبري – مصدر المعلومات: شهادات المهاجرين المغاربة من الجيل الأول
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.