محتويات الموضوع
في ستينيات القرن الماضي، كانت محطات القطار في الدار البيضاء وطنجة تعجّ برجال بسطاء يحملون حقائب صغيرة مصنوعة من الجلد أو القماش. كانت تلك الحقائب تضمّ القليل من المتاع وكثيرًا من الأمل. غادر هؤلاء الرجال وطنهم بعد توقيع اتفاقية تشغيل العمال سنة 1964 بين المغرب وبلجيكا، متجهين نحو المجهول. لقد كانوا النواة الأولى لما سيُعرف لاحقًا باسم الجيل الأول من المهاجرين المغاربة في بلجيكا. رحلةٌ بدأت بحثًا عن لقمة العيش، لكنها انتهت بكتابة فصل جديد من التاريخ المغربي في أوروبا.
“غادرت المغرب وفي قلبي موعد عودة، لكنه تأجّل نصف قرن.”
— عبد القادر أيت علي، عامل سابق في مناجم شارلروا
بين الفحم والحنين… صبر الرجال الأوائل
حين وصلوا إلى المدن الصناعية مثل شارلروا ولييج وليمبورغ، واجه المهاجرون أوضاعًا قاسية. كان العمل في المناجم متعبًا ومخيفًا، ومع ذلك لم يتراجعوا. بفضل إصرارهم، استطاعوا أن يثبتوا وجودهم، وأن يصبحوا جزءًا أساسيًا من عجلة الاقتصاد البلجيكي. من جهة أخرى، ظل الحنين إلى الوطن يرافقهم في كل لحظة. كل رسالة أرسلوها إلى المغرب كانت تحمل دفء العائلة، وكل حوالة مالية ساهمت في بناء بيت أو تعليم طفل. لقد عملوا بصمت، لكن أثرهم ظلّ حاضرًا في كل مكان.
جيل الحقائب كما سمّاه البلجيكيون
البلجيكيون وصفوا هؤلاء المهاجرين الأوائل بتعبير إنساني مؤثر: “Génération des valises” — أي جيل الحقائب. لم يكن الاسم صدفة، لأن أغلبهم جاؤوا بحقائب صغيرة ظنّوا أنهم سيعودون بها قريبًا. لكن الأعوام مرّت، واستقروا في بلجيكا، فكبر الأبناء وبدأت الجالية المغربية تتجذّر في المجتمع البلجيكي. اليوم، يحتفظ Migratie Museum في بروكسل بحقائب أصلية لهؤلاء الرجال، داخلها صور ورسائل وأوراق عمل. كل حقيبة تُذكّر الزائر بأن الهجرة لم تكن قرارًا سهلاً، بل مغامرة إنسانية مليئة بالتضحيات.
رجال بنوا مستقبلهم بعرقهم
في تلك الحقبة، لم يكن هناك دعم اجتماعي ولا جمعيات للمهاجرين. اعتمد العمال على بعضهم البعض، فتقاسموا المأوى والغذاء وحتى الدفء الإنساني. بعضهم عمل في المناجم، وآخرون في مصانع الحديد والصلب، ولكن الجميع ساهم في بناء بلجيكا الحديثة. ورغم صعوبة الحياة، كانوا يجدون في لقاءاتهم الأسبوعية ملاذًا للضحك وتبادل الأخبار عن المغرب. لقد بنوا وطنين في وقت واحد: وطنًا يعيش في الذاكرة، وآخرًا على أرض الواقع.
“كانت الحقيبة صغيرة، لكنها كانت تحمل أحلام قرية بأكملها.”
— شهادة عرضها متحف الهجرة ببروكسل سنة 2022
من جيل البناء إلى جيل الجذور
مع مرور الوقت، تزوج بعض المهاجرين واستقروا في بلجيكا بشكل دائم. أنجبوا أبناءً تعلموا في مدارس بلجيكية، فصاروا الجيل الثاني الذي جمع بين ثقافتين. لقد غرس الجيل الأول من المهاجرين المغاربة في بلجيكا جذور الهوية في أرض جديدة، وجعلوا من الحنين طاقة بناء لا تُنسى. اليوم، يحمل الأبناء والأحفاد راية ذلك الجيل، ويدركون أن ما ينعمون به من استقرار لم يكن صدفة، بل ثمرة تعب طويل وصبر عظيم.
الذاكرة التي لا تُغلق حقائبها
رغم مرور أكثر من ستين عامًا، ما زالت الحقائب القديمة محفوظة في بيوت الجالية المغربية. بداخلها بقايا حياة: تذاكر سفر، صور باهتة، وأوراق مكتوبة بخط اليد. كل حقيبة تُعيدنا إلى لحظة مغادرة، إلى رجلٍ كان يعتقد أنه ذاهب لعام واحد فعاش عمرًا بأكمله هناك. إنها ذاكرة لا تُطوى، وجيل لا يُنسى، لأنه كتب قصته في وجدان بلجيكا والمغرب معًا.
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.