محتويات الموضوع
في بداية السبعينيات، كانت شوارع سكاربيك ومولنبيك تعجّ بالعمال المغاربة القادمين حديثًا من مناجم الفحم والمصانع البلجيكية. بعيدًا عن الوطن وأجوائه الدافئة، بدأوا يبحثون عن مكان بسيط يجمعهم بعد يوم طويل من العمل.
هكذا وُلدت فكرة أول مقهى مغربي في بروكسل؛ ليس كعمل تجاري بحت، بل كفضاء إنساني يداوي الغربة ويعيد نبض الوطن إلى القلب.
من مقاعد خشبية إلى ملاذ للجالية
افتتح الحاج “عبد السلام بن العربي” سنة 1973 أول مقهى مغربي صغير في شارع rue de Liverpool بمولنبيك. كان المكان بسيطًا: طاولات خشبية، كؤوس شاي بالنعناع، وراديو يبث أغاني عبد الحليم وفيروز.
لكن وراء تلك الجدران تشكّلت ملامح أول مجتمع مغربي منظم في المهجر. فالمقهى لم يكن مجرد مكان للجلوس، بل ملتقى لتبادل الأخبار، ومركزًا غير رسمي للبحث عن عمل، بل حتى لاستقبال القادمين الجدد الذين لم يعرفوا بعد أين يبيتون أول ليلة في بلجيكا.
“في المقهى كنا نضحك ونبكي معًا… هناك فقط كنا نحس أننا في المغرب ولو لبضع ساعات.”
— شهادة المهاجر الحاج الميلود بنعيسى، أحد روّاد المقهى الأول
المقهى… جريدة شفوية للجالية المغربية
في غياب الصحف العربية ووسائل الإعلام، تحوّل المقهى إلى جريدة يومية شفوية. كان العمال يتناقلون فيه أخبار المغرب، الزواج، القرية، والسياسة. حتى الرسائل البريدية من الوطن كانت تُقرأ هناك أحيانًا بصوت مرتفع، فيلتفّ الجميع للاستماع.
وكانت الأخبار تُسافر من طاولة إلى أخرى، لتصل في اليوم التالي إلى مصانع شارلروا أو مناجم ليمبورغ. هكذا تشكّل أول نسيج تواصلي للجالية قبل ظهور الجمعيات والمساجد.
فضاء nostalgia وذاكرة الحنين
تنوّعت المقاهي المغربية في بروكسل خلال الثمانينيات، لكنها احتفظت بنفس الروح: حنين ودفء وذاكرة. كانت الجدران تزيّنها صور الملك الحسن الثاني، وسجادات من فاس، وساعات حائطية تحمل زخارف عربية. الرواد يبدؤون يومهم بفنجان قهوة وكأس شاي، وينتهونه بأحاديث طويلة عن العودة إلى المغرب، وعن الأبناء الذين كبروا بين لغتين وثقافتين.
المقهى… مدرسة غير رسمية للاندماج
بمرور الزمن، أصبحت هذه المقاهي فضاءات للحوار مع البلجيكيين، خاصة عندما انفتح الجيل الثاني على المجتمع المحلي. في مقاهي مولنبيك وسان جوس، بدأت النقاشات بين المثقفين والشباب حول الهوية والاندماج، فكانت نواة أول وعي جماعي للجالية. ومن تلك الطاولات الخشبية، خرجت أفكار تأسيس جمعيات ثقافية ورياضية لاحقًا.
من “قهوة الوطن” إلى رمز للذاكرة الجماعية
اليوم، اختفت أغلب تلك المقاهي الأولى أو تغيّر شكلها، لكن ذكراها باقية في ذاكرة الجالية المغربية كرمزٍ لبدايات صعبة ونبيلة. كانت تلك المقاهي بمثابة “قنصليات عاطفية” غير رسمية، تحافظ على الروابط وتمنح للمغاربة في بلجيكا لحظة دفء في برد الغربة. من هناك بدأ الحلم الجماعي بالاستقرار، بالكرامة، وبأن تكون للمغاربة في بروكسل هوية ووجود دائم.
بقلم: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.