محتويات الموضوع
في مطلع السبعينيات، استقبلت بروكسل دفعات جديدة من العمال القادمين من شمال المغرب. وبينما كان معظمهم يبحث عن الاستقرار، قرّر رجل بسيط من الجنوب المغربي يُدعى السوسي أن يملأ فراغًا في حياة زملائه. فافتتح كراجًا صغيرًا في سكاربيك (Schaerbeek)، يفتح بابه الحديدي كل مساء بعد غروب الشمس ليستقبل العمال العائدين من المناجم والمصانع، بوجوه متعبة وقلوب عطشى لدفء الوطن. وهكذا بدأت قصة أول بقال مغربي في بلجيكا.
حوّل السوسي الكراج إلى غرفة إسمنتية ضيّقة فيها رفّان خشبيان، وضع عليهما زيت الزيتون، الشاي الأخضر، السميد، وقليلًا من التمر. لم يكن يبحث عن الربح، بل أراد أن يجمع الناس حول ما يذكّرهم ببلادهم. في المساء، كان يرفع باب الكراج، فيتجمّع العمال أمامه لشراء حاجياتهم، وتبادل القصص، واستنشاق رائحة الوطن في الزيتون والنعناع.
“كنا نعيش على الزيت والخبز فقط، نستمد قوتنا من الدعاء أكثر مما نستمدها من الطعام. كنا نخشى كل ما يُعرض في المتاجر البلجيكية، نعتقد أنه حرام، فنكتفي بما نعرفه من طعامنا البسيط.”
— الحاج محند، من الناظور، أحد عمّال الفحم الأوائل
تلك اللحظات البسيطة صنعت رابطًا عاطفيًا قويًا بين المهاجرين. فقد وجدوا في كراج السوسي أكثر من مكان للبيع، وجدوا زاوية إنسانية تُخفّف وطأة الغربة وتُعيد لهم رائحة المغرب.
الحاجة التي صنعت الهوية
تُبيّن الدراسات البلجيكية أن موجة الهجرة المغربية التي انطلقت سنة 1964 ضمن اتفاق العمالة كانت اقتصادية بحتة. ولهذا السبب عاش المهاجرون في عزلة ثقافية ودينية واضحة. ومع غياب الدعم الاجتماعي، بدأت المبادرات الفردية مثل مبادرة السوسي تُعيد التوازن للحياة اليومية.
تقول الباحثة Jozefien De Bock في دراستها عن بروكسل:
“أول فضاءات الهوية عند المهاجرين المغاربة لم تكن المساجد، بل تلك المحلات الصغيرة التي جمعتهم على لغة وطعام وذكريات مشتركة.”
(Journal of Belgian History, 2014)
بهذه الخطوة، وضع السوسي حجر الأساس لأول متجر مغربي غير رسمي في بلجيكا. كان يغلق بابه متأخرًا بعد أن يودّع آخر زبون حاملاً كيس الزيتون وبعض الأمل في الغد.
“البقالة الصغيرة في سكاربيك لم تكن مجرد محل. كانت المكان الوحيد الذي نجد فيه رائحة بلادنا.”
— مهاجر مغربي قديم من بروكسل
من البقالة إلى الجزار الحلال
في البداية، كان المهاجرون يتقاسمون الطعام ويذبحون خرافهم داخل الأقبية لتجنّب القوانين الصارمة. لكن مع الوقت، أدركوا أن الحاجة إلى اللحم الحلال تمثل ضرورة دينية وثقافية، لا مجرد عادة غذائية. لذلك، بدأ بعضهم في افتتاح محلات متخصصة. وبعد الاعتراف الرسمي بالإسلام كديانة في بلجيكا سنة 1974، ازداد حضور الجزارات الحلال في بروكسل وأنتويرب.
توضح دراسة من جامعة لييج أن هذا التطور لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل اجتماعيًا أيضًا:
“في الثمانينيات، جعل المهاجرون من الحلال علامة مرئية لهويتهم الإسلامية في الشارع البلجيكي.”
(Université de Liège, 2017)
سكاربيك… البداية التي صنعت ذاكرة
من كراج السوسي في سكاربيك انطلقت أول شرارة لبناء الوجود المغربي في بلجيكا. وبفضل روح التعاون، افتتح مهاجرون آخرون متاجر جديدة في مولنبيك وسان جوس ولييج. ومع مرور السنوات، تحوّلت هذه المبادرات إلى شبكة اقتصادية محلية قائمة على الثقة المتبادلة. ومع نهاية الثمانينيات، أصبحت تلك البقالات مراكز حياة حقيقية. فقد كان الناس يتبادلون فيها الأخبار، ويجدون فيها ما يربطهم بعاداتهم وأكلاتهم وقصص طفولتهم.
“حين رأيت لافتة الجزار مكتوبًا عليها ‘Halal’ لأول مرة، شعرت أننا لم نعد ضيوفًا. هذا وطننا أيضًا.”
— أحد أبناء الجيل الثاني في مولنبيك
من كراج السوسي إلى الأسواق الكبرى
اليوم، قلّ من يعرف قصة السوسي وكراجه الصغير في سكاربيك. الجيل الأول والثاني فقط يتذكران تلك الأيام التي كانوا يشترون فيها الزيتون والنعناع بعد يوم طويل في المصانع. أما الجيل الجديد، فيرتاد الأسواق الممتازة والمحلات الحلال الكبرى التي تضاهي المتاجر البلجيكية في التنوع والتنظيم.
لقد طوّر أبناء الجالية ما بدأه السوسي إلى قطاع تجاري متكامل يحمل أسماء مغربية معروفة. ورغم هذا التطور الكبير، لا يزال كراج السوسي حاضرًا في الذاكرة الجماعية، كرمزٍ لأول مبادرةٍ جسّدت الشجاعة والهوية والحنين إلى الوطن.
بقلم: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.