محتويات الموضوع
منذ سبعينيات القرن الماضي، لعبت مدارس السبت في بلجيكا دورًا أساسيًا في حياة أبناء الجالية المغربية. فقد أنشأ الآباء هذه المبادرات التربوية للحفاظ على اللغة العربية والدين الإسلامي داخل مجتمع جديد مختلف عن ثقافتهم الأصلية. وهكذا أصبحت قاعات المساجد والمدارس الصغيرة فضاءات تحمل رائحة الوطن وصوت الحروف الأولى بالعربية.
لغة الأم… جسر بين جيلين
لم تقتصر مدارس السبت على تعليم الحروف أو قواعد اللغة، بل حملت رسالة ثقافية وإنسانية أعمق. فقد أراد الآباء أن يربطوا أبناءهم بجذورهم المغربية ويجنبوهم الانقطاع عن ثقافتهم الأصلية. في هذه الأقسام الصغيرة، تعلّم الأطفال القراءة والكتابة بالعربية، وحفظوا سورًا من القرآن الكريم، وتعرفوا على قيم الاحترام والتسامح. وعندما يعود الطفل إلى البيت وينطق أولى كلماته بالعربية، كانت سعادة الأسرة لا توصف.
“كنا ننتظر يوم السبت بشغف، ليس فقط لنتعلم العربية، بل لنشعر أننا أقرب إلى أهلنا في المغرب.”
— أمين الزروالي، من أبناء الجيل الثاني للمهاجرين المغاربة في لييج
السبت… يوم الهوية والانتماء
تحوّل يوم السبت مع مرور الوقت إلى رمزٍ للهوية المغربية في بلجيكا. ففي هذا اليوم، تتجمع العائلات حول المساجد والمدارس، ويتبادل الآباء الأحاديث والأخبار، بينما ينشغل الأبناء بالدراسة. كانت الأجواء تحمل دفء الوطن رغم البعد. فبين دروس القراءة والتجويد، كانت تنشأ صداقات جديدة وتكبر ثقة الأطفال في أنفسهم. هكذا أصبح يوم السبت موعدًا أسبوعيًا مع الجذور والانتماء.
تحديات التعليم واستمرار الرسالة
واجه منظمو مدارس السبت تحديات كثيرة، أهمها ضعف الموارد المادية وغياب الاعتراف الرسمي في بداياتها. ومع ذلك، استمر المدرسون والمتطوعون في أداء دورهم بدافع الإيمان بأهمية رسالتهم. ساهمت العائلات في تمويل هذه الدروس عبر التبرعات البسيطة. ومع مرور السنوات، تعاونت بعض البلديات والجمعيات البلجيكية مع هذه المدارس ودعمتها بتجهيزات أو برامج تكوين للمدرسين. وهكذا تحولت الفكرة من مبادرة أهلية محدودة إلى تجربة تعليمية محترمة داخل الجالية.
الجيل الجديد… بين اللغة والهوية المتعددة
تغيّرت مدارس السبت اليوم كثيرًا. فهي لم تعد تقتصر على دروس العربية والقرآن، بل أضافت أنشطة ثقافية مثل المسرح والرحلات والورش الفنية. كما بدأ أبناء الجيل الثاني والثالث يشاركون في التدريس والإشراف، فانتقلت التجربة من جيلٍ إلى جيل. هذا التطور جعل المدرسة فضاءً حيًا يجمع بين الماضي والحاضر. فالطفل يتعلم لغته الأم، ويكتشف في الوقت نفسه قيم العيش المشترك داخل المجتمع البلجيكي.
مدارس السبت… ذاكرة التعليم والانتماء
تبقى مدارس السبت في بلجيكا شاهدًا حيًا على وعي الجالية المغربية بأهمية الهوية الثقافية. لقد حافظت هذه المبادرات على اللغة والدين، وربطت الأطفال بجذورهم دون أن تعزلهم عن واقعهم الأوروبي. بفضل تلك الجهود، نشأ جيل جديد يجيد التحدث بلغتين، ويعتز بثقافته الأصلية كما يشارك بفاعلية في المجتمع الذي يعيش فيه. إنها قصة نجاح جماعي امتدت لأكثر من خمسين عامًا من العطاء التربوي المستمر.
بقلم: عادل الزوبري
موقع صوت العرب في بلجيكا منصة إخبارية مستقلة باللغة العربية، موجهة للجالية العربية المقيمة في بلجيكا. يهدف إلى نقل الأخبار المحلية بعيون عربية، وتقديم تحليلات مبسطة حول القوانين والإجراءات، مع متابعة أنشطة الجالية وطرح قضاياها للنقاش. كما يوفر محتوى ثقافي ورياضي واجتماعي يعكس حياة العرب في بلجيكا، ليكون الجسر الذي يربط الجالية بمجتمعها البلجيكي.